الجمعة , أغسطس 19 2022
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الموقع / تدبير المجالات الرعوية بالمغرب واستغلالها: مقاربة التاريخ والعلوم الاجتماعية: تقرير عن الأيام الوطنية السادسة والعشرين التي نظمتها الجمعية المغربية للبحث التاريخي

تدبير المجالات الرعوية بالمغرب واستغلالها: مقاربة التاريخ والعلوم الاجتماعية: تقرير عن الأيام الوطنية السادسة والعشرين التي نظمتها الجمعية المغربية للبحث التاريخي

تدبير المجالات الرعوية بالمغرب واستغلالها: مقاربة التاريخ والعلوم الاجتماعية

تقرير عن الأيام الوطنية السادسة والعشرين التي نظمتها الجمعية المغربية للبحث التاريخي

مـحـمد أبلا[1]

 

توطئة:

نظمت الجمعية المغربية للبحث التاريخي بالشراكة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال والمجلسين الجماعيين لكل من قصبة تادلة وأبي الجعد، أيامها الوطنية السادسة والعشرين يومي التاسع والعاشر من شهر دجنبر من السنة الجارية (2021)، واختارت لها كموضوع؛ “تدبير المجالات الرعوية بالمغرب واستغلالها: مقاربة التاريخ والعلوم الاجتماعية”، وذلك بالتزامن مع أهمية وموقع المجالات الرعوية اليوم ضمن استراتيجيات الدولة، بحيث لم تعد المجالات الرعوية بمغرب اليوم رهان التنافس والنزاع بين المجموعات الاجتماعية المستقرة وممارسي الترحال الرعوي والانتجاع، بل أصبحت كذلك، رهانا للدولة من خلال ما تسنه هذه الأخيرة من قوانين وسياسات التنمية المجالية.

 وفي الإطار نفسه، يعتبر النشاط الرعوي من بين الأنشطة الأكثر ممارسة بالمغرب منذ الفترة القديمة إلى الوقت الراهن، بحيث أسهم ميل كثير من القبائل إلى التنقل بحثا من المراعي الخصبة في إحداث تحولات كبرى على صعيد المورفولوجية الاجتماعية للأفراد والجماعات، وأيضا على صعيد موارد وأنماط العيش، بل وقد امتد أثر هذه التحولات ليشمل حقل السياسة، ذلك أن تنقلات القبائل التي تعيش على الترحال والانتجاع أسهمت في تغيير ملامح الدولة والمجتمع بالمغرب. ومن زاوية أخرى، تظهر هذه التنقلات أيضا كفاعل مغذي للنزاع المستدام بين ممارسي الترحال والانتجاع من جهة، وبين القبائل المستقرة من جهة أخرى، فعالمي الترحال والاستقرار حافل بالنزاع والنهب وبالشكل عينه غني بالعلاقات والروابط الاجتماعية.

وعلاوة على ذلك، وانطلاقا مما يخبرنا به تاريخ النشاط الرعوي بالمغرب، فالمجالات الرعوية ترتبط بنظام من الأعراف والأوفاق العرفية، التي جرى سنها من قبل القبائل والجماعات لترشيد استغلال المراعي بالشكل الذي لا يتعارض مع المصالح العامة، وعليه عمدت إلى التحديد المسبق لمجالات الرعي ولمختلف المسالك المؤذية إليها، بالإضافة إلى تحديدها لزمن التنقل نحو المراعي وكثافة القطعان التي يمكن أن يتحملها المرعى، مفتوحا كان أو محميا (أكدال). ومن الضروري كذلك الإشارة إلى أن هذا النظام وفر جملة من المقتضيات والقوانين العرفية التي تسهر مجتمعة على تدبير أشكال استعمال المراعي ومختلف النزاعات التي تترتب عن ذلك، غير أن نسبة مهمة من هذه المقتضيات والأعراف والأوفاق تلاشت وتقلص مجال فعلها كنتيجة للتحولات الكبرى التي مست عالم الراعي والمرعى، مسار هذه التحولات بدأ منذ مرحلة الاستعمار، غير أنه سيعرف طريقه نحو التصاعد بعد مرحلة 1956م، ومعه ستتحول المجالات الرعوية إلى رهان سياسي فعلي للدولة والقبائل (المستقرة منها والمترحلة)، وهو ما سيعجل بنشوء شكل جديد من النزاعات اتسمت باحتدام خلاف القبائل مع الدولة بشأن تحديد ملكيات الأراضي، الأمر الذي سيقضي بإحداث تغيرات على مستوى الترسانة القانونية المنظمة للمجالات الرعوية. وإجمالا لما سبق، كان لزاما إحاطة هذا الموضوع بقدر من المتابعة والاهتمام العلمي ومن زوايا نظر متعددة، وعليه أتت مناسبة هذه الأيام الوطنية، التي دأبت الجمعية المغربية للبحث التاريخي على تنظيمها، لتقارب هذا الموضوع من مختلف الأبعاد التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وذلك من خلال خمس محاور بحثية.

ابتدأ اليوم الأول[2] بالكلمات الرسمية عن مختلف الجهات الفاعلة في التنظيم والتنسيق، وتلاه بعد ذلك تقديم محاضرة افتتاحية حول موضوع؛ “نظام الأراضي وتدبير المراعي بمجال زاوية أحنصال خلال فترة الحماية”، وفيها وقف الأستاذ الباحث محمد العاملي على رصد مجموعة من نماذج الأعراف ذات الصلة بتدبير الأراضي والمراعي، وذلك من خلال استدعائه لمجموعة من الوثائق العرفية المحلية، على غرار سجلات المحاكم العرفية ومختلف أعراف استغلال الغابة، وفي هذا الإطار سلطت المحاضرة الضوء على جانب من الحياة الاجتماعية والتاريخية لزاوية أحنصال، من حيث أنها كانت من ضمن نماذج الزوايا التي تحولت عبر مراحل من تاريخها إلى تنظيم قبلي، ومن زاوية أخرى نقلت لنا هذه المحاضرة صورا عن بعض نزاعات المراعي التي دارت في القبيلة، أبرزها خلاف مرعى إلمشان الذي حضره عسو أوباسلام، وخلافات أخرى حول مراعي تلمين وتارارات بويغلالن… إلخ.

أولاً: الرعي والمراعي: رؤى ومقاربات

يحوز هذا المحور المعنون بالرعي والمراعي: رؤى ومقاربات، ثلاث مساهمات علمية، أولها حملت عنوان                ” Pâtres, pâturages et pastoralisme ches les Imazighen “، وفيها تطرق، ميشيل بيرون المتخصص في مسائل الرعي والرعاة بالأطلس، من خلال نهج الأنثروبولوجيا المرئية إلى جوانب مهمة من العالم الاجتماعي والثقافي والايكولوجي لرحل ومنتجعي جبال الأطلس المتوسط، وكنتيجة لما خبره من تجارب بحث طويلة في هذا الميدان، قدم بيرون معطيات مهمة عن عالم الرحل من تمثلات وممارسات ومعتقدات وأشكال استغلال المجال الرعوي… إلخ، وفي الاتجاه نفسه، حاول أن يتقاسم تجربته البحثية الطويلة مع عموم الباحثين المهتمين بهذا الموضوع، كما طرح بعض المؤشرات التي تحيل على مجمل التحولات والتغيرات التي عرفها عالم الترحال والانتجاع بما هو نمط عيش وتراثا ثقافيا وكذلك أسلوبا للتفاعل والتعايش مع الطبيعة.

وثاني هذه المساهمات التي حملت عنوان “المراعي الجماعية بالأطلس الكبير الأوسط: الخصوصية المجالية ورهانات البحث العلمي”، قدم فيها الباحثان كمال أخشوش وسعاد بلحسين لمحة عن التوزيع الجغرافي للمراعي في المجال المدروس، ثم عن بعض تقنيات الرعي المتداولة، يليه تطرقهم لبعض حالات الصراع حول المراعي، كحالة مرعى ألوز بالأطلس الكبير الأوسط الذي يؤشر على تصاعد وثيرة النزاعات واتخاذها صفة الفعل العنيف في بعض الأحيان. وفضلا عن ذلك تناولت هذه المساهمة موضوع المراعي بالمجال المدروس وفق التحقيب التاريخي التالي؛ فترة ما قبل الاستعمار، فترة الاستعمار ثم الفترة التي تلت الاستعمار، والخلاصة أن موضوع تدبير المراعي كان رهانا للسلطة طيلة هذه الفترات التاريخية، بحيث مر من كونه موضوعا لنظام القبيلة في المرحلة الأولى، ثم موضوعا للسلطات الاستعمارية عبر احكام المراقبة على المناطق الرعوية الجبلية وإقامة التكنات العسكرية جوار المراعي وفوقها أحيانا ومراقبة النشاط الرعوي عموما، وصولا إلى التحديات الكبرى التي أصبح يطرحها الموضوع على الدولة اليوم، كما يظهر في سياستها في مجال تنمية المراعي.

وفي الإطار نفسه، تناولت الورقة العلمية الثالثة التي قدمتها الباحثة صباح علاش والموسومة “الرعي بالريف الاوسط بين المصادر التاريخية ونتائج البحث الأركيولوجي”، موضوع النشاط الرعوي ببلاد الريف الأوسط من خلال مصادر تاريخية وسيطية حبلى بمعطيات غنية عن أحوال الرعي والرعاة في الريف الأوسط، ومن بين ما قدمته الورقة من معطيات، أن قطعان الماشية كانت موضوعا لرعاية الأولياء والصلحاء، وفي نفس الصدد، أشارت إلى أن المسكن الريفي يتوفر على حيز خاص بالماشية، بل وفي بعض الحالات قد يتقاسم الريفيون غرفهم مع ماشيتهم.

ثانياً: الرعي والرعاة: العرف والقانون والأنظمة

يظم هذا المحور ثلاث مداخلات، أولها قدمها الباحث عثمان زوهري، وفيها تطرق إلى موضوع “المرعى والانتجاع بأيت سخمان الشرق: جدلية العرف والقانون في تدبير النزاع في المجال المحدود”، من خلال وثائق عرفية وقانونية مهمة على غرار ما سمي ب “تايسا الثانية” وظهير 1 أكتوبر 1917م (الذي حرمت منه القبائل الأمازيغية من الغابات)،  وعلاوة على ذلك، كان أيت سخمان في بحث دائم عن أزغار (مراعي زيان في غالب الأحيان)، وقد عرف عليهم تنقلهم في المجال المحدود  كما يخبرنا بذلك السياق التاريخي للقرن التاسع عشر ولا سيما في العهد السليماني، ومن زاوية أخرى ستتعرض هذه القبيلة خلال فترة الحماية لحصار حاد، الشيء الذي سمح للسطات الفرنسية بإحكام قبضتها على المراعي وقطع المسالك المؤذية إليها وإقامة نقط لمراقبة تحركات القطعان، وعليه ستتميز هذه المرحلة بظهور ما يسمى بالانتجاع المتبادل الذي فرضته إدارة الشؤون الأهلية باعتباره شكلا جديدا لتدبير النشاط الرعوي وحل أمني لتجاوز المشاكل مع ممارسي الترحال الرعوي.

وتماشيا مع موضوع هذا المحور، تناولت ثاني المداخلات مسألة “الانتجاع بحوض ملوية الوسطى بين الأعراف المحلية والقوانين الاستعمارية”، وفيها أكد الباحث عبد الرزاق لكريط أن الانتجاع لدى قبائل ملوية الوسطى فرضه الغنى الطبيعي بالمنطقة من وفرة المراعي والكلأ، وعلى مستوى التدبير كانت القبيلة قبل الاستعمار، هي من تتولى عمليات تدبير النشاط الرعوي عبر سنها لمجموعة من الأعراف والأوفاق العرفية، أما في المرحلة الاستعمارية فقد عملت سلطات الاستعمار على سن مجموعة من القوانين لضبط القبائل واحكام المراقبة على المراعي القبلية، ونذكر هنا كمثال ظهير 1 غشت 1928 الذي اتخذ خطوة غريبة تمثلت في إخصاء فحول الخرفان (وقد قامت فرنسا لاحقا بتبني سياسة أخرى عرفت بسياسة الخرفان) لمنع تزايدها والحد من الإنتاج الحيواني بالمنطقة وكذا للتخفيف من تنقلات القطعان ومنعها أحيانا، وهو ما يعني أن المرعى القبلي كان في صلب رهانات سلطات الاستعمار.

أما المداخلة الثالثة التي قدمها الباحثان محمد رزقي والمصطفى أيت يدير والموسومة ب “الرعي والتنقل الرعوي بالأطلس الكبير المركزي: إسهام في تحليل أشكال الثابت والمتحول”، يدور موضوعها حول الرعي والانتجاع بالأطلس الكبير الأوسط باعتباره نمطا للعيش وثقافة مجتمعية، بما لحق هذا النشاط من تحولات خاصة على مستوى التدبير والتنظيم، بحيث وضعت الدولة موضوع المراعي في صلب رهاناتها السياسية والاقتصادية من خلال إحداثها لأنماط جديدة من التنظيم، حلت من خلالها مؤسسات الدولة والتنظيمات المهينة محل القبيلة والجماعة التقليدية، ومن ثم ظهرت أشكال جديدة من التدبير المجالي والإداري والقانوني (قانون 13-113)، وفي المقابل تراجعت أدوار القبيلة في ضبط حركية القطيع وتقسيم العمل الإنتاجي الرعوي. وتأسيسا على ذلك، انتهت هذه المساهمة العلمية إلى اقتراح نموذج نظري يتيح للمشتغلين بهذا الموضوع دراسة المجموعات الرعوية، وقد كانت الحصيلة تؤشر على تراجع النشاط الرعوي بما هو نمط عيش، الشيء الذي يعني تراجع التنظيمات الاجتماعية التقليدية التي تدبر مسائل المراعي.

ثالثاً: المجالات الرعوية: أشكال الصراع ومظاهر التدبير

 قدمت في إطار هذا المحور ثلاث أوراق علمية، وقد تطرقت أولها، كما قدمها الباحث المصطفى طهر، لموضوع “ظروف عمل الرعاة بالمغرب الأقصى في نهاية العصر الوسيط وبدايات العصر الحديث”، بحيث ثمت الإشارة بدايةً إلى أن الرعاة فئة غير متجانسة اجتماعيا واقتصاديا، فهناك مثلاً؛ رعاة القبيلة ورعاة المخزن، الرعي الخصوصي والرعي المشترك والرعي بالتناوب بالإضافة إلى ما سمي بالرعي المالك الذي نتحدث عنه في الوقت الذي يكون فيه الراعي هو نفسه صاحب الماشية ومالكها، وقد رصدت هذه الورقة جانبا مهما من تفاعل نخبة المجتمع آنذاك مع مسائل الرعي والرعاة، وذلك بالاعتماد على ما جادت به نصوص ما سماه الدارسون الأنثروبولوجيون ب”المراجع الصامتة”، أي كتب النوازل والمناقب والأنساب والفتاوى الفقهية والأعراف، بحيث حددت النوازل مثلاً حقوق الرعي وحقوق رعاية القطيع، كما حددت أيضا واجبات عمل الراعي (حماية القطيع والمحافظة عليه)، كما كان للفتاوى والعقود والأعراف تفاعل مهم مع هذه المسائل، غير أن طبيعة هذا التفاعل تتأثر على الدوام بالمناخ السياسي والظروف الاجتماعية السائدة، بحيث حدث في هذه الفترة التاريخية أن شكك فقهاء المالكية في الرعاة، فابتداءً من القرن الثامن الهجري بدأ تشدد الفقهاء على الرعاة، وصار هؤلاء مرادفا لانعدام الأمان والنهب. وفي هذا الاتجاه كذلك، رصدت كتب المناقب صورة عن معاناة الرحل وأنصاف الرحل مع ظروف الطبيعة وتقلبات المجتمع والقبائل، وقد تطرقت بعض المصادر التاريخية لجانب مهم من ظروف عمل الرعاة، على غرار معلمتي حسن الوزان (وصف أفريقيا) ومارمول كارباخال (أفريقيا).

ومن ناحية أخرى، اهتمت الورقة العلمية الموسومة “الرعي والرعاة بالبادية المغربية خلال العصر الوسيط”، التي ألقاها الباحث نور الدين أمعيط، بأحوال الرعي والرعاة ببادية المغرب الإسلامي، وقد تمت الإشارة بدايةً إلى أن هذا الموضوع لم يكن في صلب اهتمام المؤرخين والكتاب حينذاك وذلك لسيادة مواضيع ذات صلة بذوي الجاه من نخبة المجتمع (التأريخ من أعلى)، وارتباطا بالحقبة التاريخية المدروسة فقد كان النشاط الرعوي نشاطا مهيمنا في الغرب الإسلامي نظرا لسيادة نمط العيش القائم على البداوة، وعليه كان العمران البشري يتأثر كثيرا بديناميات النشاط الرعوي، فنجد مثلاً أن ابن خلدون قد تحدث في معلمته عن الحاجة إلى المراعي في الوقت الذي ربط فيه خراب المدن بغياب المراعي. ومن جانب آخر، تؤكد العديد من الدراسات الأركيولوجية أن النشاط الرعوي يصنف ضمن أقدم الأنشطة الاقتصادية بالمغرب (مثلاً دراسة Laurent Auclair). قسمت هذه الورقة المناطق الرعوية بالمغرب إلى مناطق رئيسية (الدير، الحوز، غمارة…) وأخرى ثانوية (ماسة، درعة والصحراء…)، ونبهت إلى موقع النشاط الرعوي في النظام السوسيو-اقتصادي للقبائل، وذلك على نحو أن هذا الموقع يتأثر بالمجال الجغرافي والطبيعي للقبيلة، فمثلاً في المناطق الشبه الصحراوية يعتبر الرعي أهم الأنشطة الاقتصادية المهيمنة (الرعي كمهنة) خلافا للمناطق الأخرى التي تتميز بالمناخ المعتدل، كما أشارت هذه الورقة كذلك إلى بعض مشاكل الرعاة على المستوى الطبيعي (زحف الجراد، الحيوانات الضارية..) والسياسي (صعوبة الأوضاع السياسية التي دفعت المجموعات الرعوية إلى تربية الماشية بالبيوت والأكواخ والحضائر) والاجتماعي والثقافي (النزعات حول نقط الماء والمراعي الخصبة).

وتطرقت الورقة التي قدمها الباحث ادريس بلعايد، والتي حملت عنوان “الأنظمة والفضاءات الرعوية ببلاد المغرب: مقاربة تاريخية لأشكال الصراع ومظاهر التنظيم”، إلى ما عرفته الفضاءات الرعوية بالمغرب من ظهور لأنظمة تدبير مختلفة تبعا للظروف الاجتماعية والطبيعية، وعلى هذا الأساس، تعددت أشكال المواثيق والأنظمة التي تسهر على تدبير الفضاءات الرعوية بتعدد مرجعياتها (اجتماعية، دينية، اقتصادية…)، فنجد مثلاً عرف تارضا Tarda الذي يحيل على الأخوة والحلف والعهد له مرجعية اقتصادية على غرار أعراف الولاء والعهود الأخرى التي وضعتها القبائل (“تعقيرت علي ن بويحيى” عند قبائل غريس مثلاً)، أما بالنسبة للأعراف والأوفاق التي لها مرجعيات اجتماعية فنجدها تعمل للحيلولة دون نشوء النزاعات، ومن مظاهرها نجد ما سمي ب “أمغار ن توكا” (شيخ العشب/الكلأ) الذي تختاره الجماعة الاجتماعية للسهر على حماية المرعى وتمثيل القبيلة في اللقاءات  التي تتصل بمسائل المرعى والرعاة، في حين تحدثت بعض المصادر التاريخية عن الأعراف وأنماط التنظيم الأخرى التي لها مرجعيات دينية، وفي هذا الصدد يمكن العودة إلى “تحفة القضاة ببعض مسائل الرعاة” لأبي العباس البويعقوبي، وجدير بالذكر كذلك أن هناك أنماط تنظيم لها مرجعيات قانونية، على غرار القانون 13-113 المنظم للمراعي.

رابعاً: المجالات الرعوية: نماذج في التدبير

يضم هذا المحور هو الآخر ثلاث مساهمات علمية تناولت مجتمعة نماذج وحالات من تدبير المجالات الرعوية بالمغرب زمن الاستعمار وبعده، وأولى هذه المساهمات قدمها الباحث منعم بوعملات وحملت عنوان؛ “تدبير المجالات الرعوية بمنطقة إموزار مرموشة خلال فترة الحماية الفرنسية: من المنظور الاقتصادي إلى الطابع الأمني”، ومدارها حول تبيان أشكال تدبير المراعي وآلياته من خلال السياسات الاستعمارية الفرنسية بمنطقة إموزار مرموشة، وقد استحضرت الورقة بعد “الأرض” كمدخل لاستيعاب أشكال التدبير خلال الفترة المدروسة، ذلك أن التحديد الإداري للأرض كان من ملامح التدبير الفرنسي الجديد للمجال بالمنطقة عوضا عن التدبير القبلي، وقد تبنت الحماية الفرنسية مجموعة من أشكال التدبير باعتمادها لآليات متعددة، وفي هذا الاتجاه، أحدثت فرنسا بالمنطقة ما سمي برخص الرعي التي تعمل على تحديد أيام الانتجاع ومناطق الرعي والقبائل التي لها الحق في الانتجاع (التي تتوفر على الرخص)، كما استحدثت كذلك برامج لتنظيم الرعي لكن بأبعاد أمنية مضمرة، منها برنامج الرعي الذي يهدف إلى التحكم في نمط عيش الساكنة وفي المجال عموماً، ثم ضريبة الرعي (اتسمت بطابع السلب والزجر والهيمنة). وقد طرحت هذه الآليات وأشكال التنظيم مجموعة من التحديات على مستوى الاستقرار الأمني، كما برزت مجموعة من الخلافات حول مناطق الرعي، ومن ثم فرضت هذه الخلافات على السلطات الاستعمارية اعتماد أشكال تدبير جديدة، وفي هذا الصدد قامت سلطات الاستعمار باستغلال الحساسيات القبلية، كما قامت بالاستعانة بالقياد (ورد ذلك في رسائل ضباط مصلحة الشؤون الأهلية) وذلك لمعرفتهم بمختلف تنقلات الرعاة، وبذلك استطاعت فرنسا تسخير صورة القائد كصورة ذهنية في عملية فرض الأمن، وفي الأخير خلصت المداخلة إلى أن سياسات الاستعمار بالمنطقة المدروسة عملت على إعادة إنتاج المجال الرعوي.

أما المداخلة الثانية التي ألقاها الباحثان إلياس فتوح ومحمد مسكيت، كانت حول موضوع “الرعي وتدبير المجال الغابوي بالمغرب زمن الحماية الفرنسية”، وذلك على نحو أن موضوع الرعي يتداخل مع العديد من الرهانات الاستعمارية ومواضيع أخرى ذات صلة بالأراضي والغابات والتربة. وعليه فقد كانت للسياسات الاستعمارية آثار على البيئة والمجالات الغابوية، بحيث وثقت بعض المونوغرافيات مجموعة من أشكال الضبط الاستعماري للمجالات الغابوية (استعمال الأساليب العسكرية). بالإضافة إلى ذلك نهجت فرنسا آليات التشجير لتثبيت السكان وإنشاء المحميات الغابوية ومن ثم خلقت مجالات غابوية جديدة، وعليه فرض هذا التدبير غابات جديدة يسميها جيمس سكوت بالغابات الإدارية. وفي المقابل، تفاعل ممارسي الترحال مع الاستراتيجات الفرنسية الجديدة في مجال تدبير الغابات بالسيطرة على مراعي أخرى وممارسة الانتجاع في مناطق تتجاوز النفوذ الترابي للقبيلة، وقد كانت لذلك تأثيرات على النشاط الرعوي وعلى الرعاة أيضا، بحيث تأزم الرعي الترحالي في سنوات الأربعينات من القرن المنصرم.

ومن زاوية أخرى، تناولت ثالث المداخلات موضوع “البيئة الرعوية بساحل دكالة: المؤهلات المحلية وحصيلة الإعداد وآفاق التنمية المستدامة”، وتطرق من خلالها الباحث خاليد الحاضري إلى أن ساحل دكالة عبارة عن وحدة مجالية ذات وظيفة رعوية، بل وساهم هذا الساحل في تطوير النشاط الرعوي من خلال ما يزخر به من مؤهلات، ومن ناحية أخرى كان الضغط على البيئة الرعوية من عوامل تدخل الدولة لإعداد المجال خاصة الإعداد الرعي-رعوي.

خامساً: الرعي والمرعى: صور وتمثلات

يضم هذا المحور ثلاث مساهمات علمية، أولها تدور حول موضوع “صورة الراعي في كتب العقود والأحكام: المحددات والامتدادات بالغرب الإسلامي”، قارب فيها الباحث حميد الفاتحي مختلف التصورات حول الراعي بما يتصل بها من محددات مع متابعة امتدادات هذه التصورات حتى القرن التاسع عشر، وقد اتخذت هذه المساهمة من كتب المناقب والعقود مدخلا لمقاربة هذا الموضوع، وعليه تم تتبع أوضاع الرعاة وعالمهم الخاص من خلال هذه المصادر. كما ثم التركيز على الوضع السوسيو-اقتصادي للرعاة، بحيث يمكن أن يكون الراعي أجيرا ويمكن أن يكون شريكا، كما أعطت مدونات الأحكام والعقود والنوازل -لصبغتها التاريخية- مساحات مختلفة لقضايا الرعاة. وفي هذا الصدد سجلت هذه المداخلة الاختلاف الحاصل بين هذه المصادر في مسائل تدوين أحوال الرعاة ومعيشهم، ومن جانب آخر رصدت هذه المادة المصدرية مختلف الالتزامات بين الراعي ورب القطيع (في الحالة التي يكون فيها الراعي أجيرا) وبين الراعي وشريكه.

قدم المساهمة الثانية الباحث يونس غاب حول موضوع “المقدس والإيكولوجيا عند القبائل المنتجعة قبل الاستعمار”، حيث اهتم الباحث بعلاقة المقدس والإيكولوجيا لدى القبائل المنتجعة. فتوظيف المقدس يكون في الغالب مرادفا لحماية القطيع والمرعى، غير أنه يتجاوز أيضا هذه المعطيات الاقتصادية، بحيث يمكن أن تستعين القبائل المنتجعة بالمقدس للحفاظ على الأمان و تجنب النزاعات حول المراعي وحماية القبيلة من المخاطر المحدقة (طقوس الدبح). كما يتمظهر استعمال المقدس أيضا من خلال الرموز والتمثلات حول المرعى والكلأ والأرض… إلخ.  يتجسد حضور المقدس في المعتقدات من خلال علاقة النظام الرعوي بالاحتفالات الطقوسية (أطروحة محمد مهدي حول رعاة غيغاية بالأطلس الكبير). وقد تطرقت هذه المساهمة أيضا إلى بعض مظاهر الحضور المكثف للمقدس في الحياة الرعوية والاجتماعية للقبائل المنتجعة (الطقوس المرافقة القطيع، طقوس خصوبة القطيع، طقوس حماية القطيع…)، وذلك بالتركيز على أشكال حضور المقدس في عملية تدبير المراعي الجماعية في حالة قبائل أيت وراين قبل الاستعمار (علاقة أكدال بالمقدس). بينت المداخلة الأنواع المختلفة لأكدال (أكدال الجماعي والحدودي) وعلاقتها بالمقدس، بحيث يعمل هذا الأخير على حماية أكدال وذلك من خلال الأضرحة والمقابر التي تتوسط المراعي الجماعية، كما يعمل على حماية القطيع وضمان بركته، وعلى هذا النحو يصير المقدس حارسا للمرعى وللقطيع، وفي الاتجاه نفسه يعمل على إدامة النظام الإيكولوجي للمراعي ومن ثم يضمن بقاء القطيع.

أما المساهمة الثالثة في هذا المحور الأخير، والتي قدمها الباحث محمد دحمان تناولت موضوع “تدبير المراعي في الثقافة الحسانية: دراسة ميدانية بجهة الداخلة وادي الذهب”. انطلقت هذه المساهمة العلمية بالحديث عن مكانة المرعى والرعي في الثقافة الحسانية، ذلك أن حيازة المواشي تمثل أساس النظام الاجتماعي في هذا المجال، بحيث تشكل ثقافة الرعي أساس هذه المجتمعات بل ويمكن من خلال هذه الثقافة أن نفهم أشياء معاصرة، فمثلاً؛ في حالة هذه المجتمعات يظهر النشاط الرعوي إلى جانب كونه نشاطا اقتصاديا، بمنزلة نمط عيش واستراتيجيات، وهذا ما دفع روبير مونطاني أن يكتب عن هذه المجتمعات معتبرا النشاط الرعوي عندها دينامو (محرك) وأساس النظام الاجتماعي والثقافي. وفي الاتجاه نفسه، يعتبر الرعي الترحالي أساس الثقافة الحسانية كما يعتبر الرعاة بمثابة قوى الإنتاج. يؤكد الباحث أن ملكية الإبل تشكل أساس نظام الملكية في هذه المجتمعات، وعليه تمت الإشارة أيضا إلى الظروف الزمنية والمكانية التي تتحكم في تحركات قطعان الإبل ومسار البحث عن المراعي وما يرتبط بذلك من عوامل، إذ تنطوي هذه التحركات على وجود استراتيجيات. ومن زاوية أخرى فالترحال الرعوي، بما هو نمط عيش، تتحكم فيه العوامل الطبيعية والإيكولوجية كما تتحكم فيه كذلك العلاقات الاجتماعية واستراتيجيات القرابة، ففي الثقافة الحسانية تلعب النساء أدواراً مهمة في استراتيجيات علاقات القرابة، بحيث تكون المصاهرة بمثابة آلية لتشكيل التحالفات والتضامنات بين القبائل الرعوية، ذلك أن علاقات القرابة تخترق المجالات وتساهم في توفير المراعي.

وختاماً، ومن بين ما خلصت إليه هذه المساهمات من توصيات، نجد دعوتها إلى استحداث متحف إثنوغرافي للمراعي، والعمل على استكشاف مجالات الرعي من خلال ممارسة الدرس التاريخي الميداني بالتزامن مع الأنشطة العلمية التي تشرف عليها الجمعية المغربية للبحث التاريخي.

 

[1]  طالب باحث يحضر الدكتوراه في علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل القنيطرة.

[2] للإشارة فقد نظم اليوم في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، أما اليوم الثاني فقد نظم مناصفة بين كل من القصر البلدي لقصبة تادلة في الفترة الصباحية، والقصر البلدي لأبي الجعد في الفترة المسائية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .