Wednesday , December 11 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / مع الباحثين / مقال رأي للأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش: ألم يحن الوقت لإعداد أطروحات جامعية حول آلام ومعاناة المرأة في التاريخ الراهن؟

مقال رأي للأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش: ألم يحن الوقت لإعداد أطروحات جامعية حول آلام ومعاناة المرأة في التاريخ الراهن؟

ألم يحن الوقت لإعداد أطروحات جامعية حول آلام ومعاناة المرأة في التاريخ الراهن؟

                                                    إبراهيم القادري بوتشيش

ليس من باب التطاول ، ولا من باب تجاوز التخصصات ( رغم أن التخصص التاريخي الدقيق لم يعد موجودا في قاموس الجامعات الغربية ) أن ندعو جيلنا الجديد من الطلبة والباحثين الشباب في التاريخ الراهن إلى فتح ورش البحث في التاريخ الأنثوي . فمن خلال الاطلاع على بعض المستندات والروايات الشفهية ، تبدى لي أنه حان الوقت ونحن على عتبة مرحلة العدالة الانتقالية أن ننصف النساء المعتقلات السياسيات اللائي تعرضن لأبشع صور التعذيب والقهر ، وخدشن في  شرفهن ، لا لذنب إلا أنهن تكلمن بلغة الكرامة ، وذلك حتى لا تحشر هذه الصفحة في طي النسيان ، والمقال التالي نموذج لما أريد أن اعبّر عنه وأدعو الباحثين الى الاهتمام به :

في غياهب الزنازن ، وبين مخالب سنوات الجمر والرصاص ، كانت بداية الحكاية …معتقلات سياسيات في مقتبل العمر… أصبحن فجأة عرضة للاغتصاب … وأصبح الاعتداء الجنسي في تلك السنوات السوداء آلية من الآليات التي وظفها الجلاد لإذلالهن وتحطيم كرامتهن . كم من امرأة  جمعت بين ظلمة السجن ومرارة الاغتصاب الجنسي ، وكم من زوجة أو اخت أو قريبة معتقل سياسي تعرضت بدورها للاغتصاب ، ولم تسلم من  هذا القدر المشؤوم حتى الطفلات البريئات . ومع ذلك فإن هذا الموضوع لا يزال يشكل ضوءا خافتا في وثائق المؤرخين ، لأن النساء يفضلن عدم البوح بما تعرضن له من جرائم الاعتداء الجنسي في مجتمع محافظ  كالمجتمع المغربي الذي يعتبر الاغتصاب من الطابوهات التي تختتبئ معالمها وراء جدار سميك من التكتم ، وبالتالي يظل بقعة من بقع التاريخي المنسي . غير أن من حسنات التاريخ الراهن أن الشهادات التي أدلىت بها بعض المعتقلات السياسيات خلال جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة ، وما كتبته بعض المناضلات من مذكرات ، نجح في كسر جدار الصمت ، وألقى شعاعا من الضوء حول هذه الطابوهات التي يمنع المجتمع تداولها. ومن حسن طالع مؤرخ التاريخ الراهن أن تلك الشهادات المكتوبة والشفهية تتميز بطرواتها وعدم تأثير الزمن الطويل في صياغتها أو إعادة تركيب صورتها ، وتسمح باستكشاف ذات المغتصبة من أعماق دواخلها ، وتبوح بالأسرار التي سعى تاريخ الجلاد إلى إسقاطها من الحسابات ، ومحوها من ذاكرة االتاريخ ، وهو ما يسمح للمؤرخ بمساحات إضافية من القراءة والاستنطاق ، والاستكشاف لدهاليز التاريخ العميق .

لقد أفلحت بعض المذكرات التي كتبتها بعض سجينات الرأي  بالمغرب أن تخترق الحواجز النفسية ، وتدخل لدياجير المسكوت عنه ، وتحطم الطابوهات ، لتكشف عن  المعاناة والرعب الذي عانت منه المعتقلات السياسيات ، وما تعرضن له من بهائمية الجلاد . ونذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب ” حديث العتمة ” للسيدة فاطمة البيه والذي ترجم للغة الفرنسية تحت عنوان ” امرأة تدعى رشيد ” ( الدار البيضاء ، دار الفنك 2001 ) ، وكتاب ” نساء كسن جدار الصمت : مرويات نساء من سنوات الرصاص ” الذي أصدره  المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بشراكة مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة ، ثم كتاب ” النساء والعنف السياسي خلال سنوات الرصاص في المغرب ” لنادية كسوس الذي نشره المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ، فمثل هذه الكتابات النوعية تلقي قبسا من النور حول هذه الحلقة المعتمة من تاريخ المغرب الراهن .

 ولا تقل أهمية عن هذه المذكرات بعض الأصوات النسائية التي صدحت بالحقائق ، وكشفت عن المستور في جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة ما بين سنتي 2004 و 2005 . وقد تزيد هذه الأخيرة قيمة بالنسبة للمؤرخ ، لأنها وردت على لسان الضحية في شكل صورة مباشرة ترافقها المشاعر السيكولوجية والآهات والدموع ، وإشارات الأيدي ولغة والعيون ، ومختلف الأشكال التعبيرية التي تعكس ما يضطرم في صدر المرأة المغتصبة من حرقة الألم ، وقسوة المعاناة النفسية. ومن سطور أقلام  وأصوات هؤلاء النسوة الماجدات ، سنسعى إلى إبراز الاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها .

ورد في جلسة الاستماع المنظمة بمدينة مراكش شهادة شفهية قدمتها إحدى المناضلات تفيد أن النساء المعتقلات كن يعانين يوميا من رعب شبح الاغتصاب الجنسي ، وأنهن وضعن تحت رحمة حراس وليس حارسات ، مما يزيد من فرص التربص والتهديد بالاعتداء الجنسي الذي تفرزه شهوة الانتقام . وتفصح شهادة أخرى وردت بجلسة الاستماع المنعقدة في مدينة فكيك على لسان إحدى المناضلات  أبشع صور العنف الممارس ضد النساء المعتقلات بما في ذلك العنف الجنسي،  فقد أفادت أن ضابط التحقيق تبوّل في فمها !! وبعد أن عجز على نيل اعترافات منها رغم كل أشكال التعذيب الأرعن ، ربطها الحراس بكرسي ، وشرعوا في تقطيع شعرها وتمزيق ملابسها ، وذكرت في تلك الشهادة أنها تعرضت لما لا يمكن البوح به أمام جلسة الاستماع ، مما يشي بتعرضها لأشكال مختلفة من العنف الجنسي.

ومن أسف أن الطفلات البريئات لم يسلمن من الاعتداء الجنسي ، إمعانا في الانتقام من آبائهن الذين تعرضوا للمطاردة والاضطهاد .  فقد ورد في جلسة الاستماع التي نظمت بمدينة فكيك أيضا أن طفلة أمازيغية لا يتجاوز عمرها تسع سنوات اعتقلت بعد التجاء والدها للجزائر، فزجّ بها في ثكنة من ثكنات القوات المساعدة ، وهناك مورس عليها الجنس (( من الأمام ومن الخلف )) حسب تعبير الشاهد  ( شهادة السيد إدريس سهيل في جلسة الاستماع بمدينة خنيفرة ) ، وظلت هذه الطفلة التي ذبحت براءتها وقتلت أنوثتها – وهي في زهرة طفولتها – حسب نفس الشهادة تعيش في دوامة من المعاناة  حتى بعد إطلاق سراحها . أما القذف والإهانات اللفظية البذيئة ( العاهرة ، بنت العاهرة الخ…  ) ، فكانت من  الألفاظ التي لم يتوقف قاموس حراس السجن عن إبداعها وإثرائها يوميا باجتهاداتهم الخاصة ، وهي ألفاظ عنفية كانت تترك جرحا غائرا في نفسية المعتقلات ، و لم تكن  تقلّ أثرا عن الانتهاكات الجنسية .

وعلى غرار الشهادات الشفهية ، تساهم الشهادات الواردة في المذكرات المكتوبة  في ملء البياضات التي تكتنف تاريخ المعتقلات السياسيات بالمغرب ، وتميط اللثام عن  جرائم الاغتصاب التي تعرضن لها . وقد أورد الدكتور محمد سعدي الذي جمعني معه هاجس البحث في التاريخ الشفوي في المؤتمر المنعقد مؤخرا ببيروت ، مجموعة  من الشهادات التي حوتها مذكرات المعتقلات السياسية .

في هذا السياق ، تقف نادية كسوس بذاكرتها في كتابها ( النساء والعنف السياسي ص 65) عند شهادة امرأة من إملشيل اعتقلت عام 1973 ، تكشف فيها أنها تعرضت للاغتصاب من قبل أحد الحراس أثناء وجودها في السجن : (( … جاء عندي وناداني بالعاهرة ، ألصقني مع الجدار واغتصبني من مهبلي. قبلني ولمسني. كان واحدا فقط. كنت أصرخ كلما سمعت صوت رجل آخر قادم. كانت النساء يضعن وشاحهن على عيونهن كي لا يرين ما فعله مع كل واحدة منا )).

ويقدم كتاب ” نساء كسرن جدار الصمت ” ( ص 15 ومابعدها )  مشهدا مريعا عن الاغتصاب الجماعي لبعض المعتقلات ، وهذا مقتطف من شهادة صادمة لامرأة تعرضت لاغتصاب جماعي على يد مجموعة من الجنود:  ((… سكتت برهة ، كانت مترددة ، خجلة مما ستقوله. زفرت ومسحت دموعها ثم أخرجت ما بجوفها فيما يشبه القيء : ” لقد ضاعت حياتي. لقد تعرضت للاغتصاب من قبل عدة جنود كل ليلة لمدة أسبوعين. إنهم كانوا يتسللون ليلا إلى زنزانتي مثل اللصوص. كنت أرفض وأقاوم بشدة رغباتهم. ولكنهم لصيحاتي لم يهتموا. أخذوا ما أرادوه مني غصبا. كانوا يضربونني ثم يغتصبونني بعد ذلك. كل مرة كان يدلف جندي إلى زنزانتي ويجردني من ملابسي ثم يعتليني ويبدأ بتقبيلي رغما عني ويضاجعني بالقوة رغم صراخي وألمي إلى أن يقضي وتره. وعندئذ يأتي جندي آخر من بعده، ويفعل نفس الشيء …نفس الشيء”.

بدأت تبكي بحرارة …دموع غزيرة لا تنقطع وكأن الماضي تجسد ثانية أمام عينها …مرت لحظات عصيبة قبل أن تتمم حديثها :   ((  في معظم الليالي ، كنت أتعرض للاغتصاب من قبل ثلاثة أو أربعة جنود مختلفين على الأقل. كان جسمي مليئا بالندوب والخدوش والجروح. لم أعد أمتلكه، لقد سرقوه مني وأصبح مشاعا بينهم. ونظرا لأني لم أكن أستطيع تنظيف نفسي بعد كل عملية اغتصاب بسبب عدم توفر المياه في الزنازن، فقد عانيت من إصابات والتهابات شديدة في المهبل. غير أن ذلك لم يمنع المغتصبين من معاودة الكرّة كل ليلة. لم يتدخل أي ضابط أو جندي لوقف الاغتصاب إلا بعد انقضاء أسبوعين. أصبحت خلالها ذليلة ومهانة . كنت أخجل من نظرات الآخرين لا أجرؤ على النظر في أعينهم. لا أحد يغيثني من الحقارة التي عشتها آنذاك. …. تمكنت أخيرا من تقديم شكوى إلى المشرف على الجنود، فأبعد الجنود عني، وتوقفوا عن ولوج زنزانتي ليلا. وتوقف الاعتداء علي، لكن هل تتوقف الصورة أمامي؟   وهل يتوقف الألم الذي يعتصر قلبي؟ )).

        ووفقا لما جاء في إحدى الشهادات النسائية الواردة في كتاب ” النساء والعنف السياسي ” ، فإن المعتقلات الحوامل لم تسلمن  بدورهن من الاغتصاب ، فقد جاء في شهادة إحدى النساء ما يلي : :” …تعرضت للاغتصاب في إحدى الليالي عندما كان الجنود يرابطون خارج الخيمة. لا أدري إن كان الذي اغتصبني قائدهم أو مجرد جندي مثلهم ، لا أعرف أسمه أو رتبته . استغل غياب زوجي وعائلته لارتكاب فعله الشنيع. لم يأبه لمقاومتي ولا لكوني حاملا. كان هدفه الوحيد هو إشباع شهوته الجنسية على حساب امرأة ضعيفة مكسورة الجناح… كانت والدتي الشخص الوحيد الذي أخبرته بما حدث تلك الليلة وطلبت مني ألا أخبر أحدا…لم أكن المرأة الوحيدة التي تعرضت لمثل هذا الاعتداء، لم أجرؤ على إخبار زوجي بالاغتصاب الذي تعرضت له على يد أحد الجنود الذين كانوا يعيشون في قريتنا خوفا من أن يطلقني ، وأصبحت أنا وأطفالي دون أي مورد رزق )) .

تحيل هذه الشهادة وغيرها إلى أبشع مشهد من مشاهد العنف ضد النساء ، خاصة المعتقلات السياسيات اللائي لم يكن يتمتعن بأي حق من حقوق السجين ، بل كان الجلاد يسعى إلى قتل أنوثتهن عندما يتعمد الحراس مناداتهن بأسماء الرجال .

أما الانعكاسات المتمخضة عن الاغتصاب الجنسي للمعتقلات السياسيات فكانت أدهى وأمر، فالاغتصاب يشكل وصمة في مخيال المجتمع المغربي ، ويخلق للمغتصبة إحساسا بالرذيلة والعار ويجعلها منطوية على نفسها، وتتحول نظرتها لذاتها من ضحية إلى مذنبة  ، وتصبح منبوذة وخارجة عن سياج المجتمع ، ويطالها الطلاق من جانب الزوج ، فتصبح ضحية قمع مزدوج : قمع سياسي وقمع اجتماعي – أسري ، مما يجعلها منطمرة في أسار الإقصاء  والتهميش حتى ولو أطلق سراحها ، لتصبح جزءا من الذاكرة المهمشة والمنسية.

وبعد ، فهذا مجرد مقال كتبناه بمناسبة اليوم العالمي للمرأة ، عربون تضامن واعتراف ، ولمسة وفاء وتقدير  للمناضلات المغربيات الماجدات ، ودليلا على أن التاريخ لم ولن ينساهن كرائدات في الكفاح من أجل الحرية والكرامة ، ونداء للمؤرخين والباحثين والطلية الجامعيين لتوجيه بوصلة أطاريحهم الجامعية نحو كتابة هذه الصفحة حتى لا تحشر في طي الطمس والنسيان ، رغم ما نحتته من أخاديد عميقة في مسار التاريخ الراهن .

7 تعليقات

  1. عبد القادر بوصبع

    تحية إجلال وتقدير للأستاذ المحترم إبراهيم القادري بوتشيش،

    إنها فكرة مميزة للتأكيد على دور المرأة المغربية في الكفاح ، لأن التاريخ حافل بمسار نساء خالدات قاسين العذاب في المعتقلات السرية وتعرضن لاساليب قمعية شرسة كالعنف الجسدي والنفسي.

    غير أنه لا ينبغي تقديم صورة المرأة المغربية خلال هذه الفترة كإمرأة معنفة، مسلوبة الإرادة، مغتصبة، بل العكس من ذلك يجب التأكيد على دورها النضالي الذي عرفت بداية مساره منذ عهد الحماية من خلال حملها للسلاح وصمودها أمام المستعمر.

    وتبقى السيدة مليكة الفاسي رمزا من رموز النضال النسائي المتعدد الأوجه .

    إلا أن التطرق لمثل موضوع “آلام ومعاناة المرأة في التاريخ الراهن” يبقى محصورا زمانيا ومكانيا، والخوض فيه لا يمكن أن يتعدى بضع دراسات تكون قد أحاطت بجميع جوانبه.

    شكرا، مع خالص التقدير.

  2. عثمان المنصوري

    استوقفتني في هذا المقال للأخ الكريم الأستاذ إبراهيم القادري بوتشيش أول جملة : ” ليس من باب التطاول ، ولا من باب تجاوز التخصصات..” ، وكأني به يريد أن يقول لمن قد يتساءل عن علاقة هذا المؤرخ الوسيطي بالتاريخ الراهن والمعاصر، إن تناولي لهذه المواضيع لا يعد تطاولا ولا تجاوزا للتخصص.
    إن المتتبع لمسيرة الأستاذ بوتشيش ، لا يمكنه إلا أن يعجب بقدرته على الكتابة والعطاء، والبحث عن المواضيع المبتكرة، ومسايرة مستجدات البحث، مع اهتمام بالقضايا المعاصرة، وخاصة منها تلك المطروحة في وسائل الإعلام. وهي قضايا عديدة، تصدى لها في الغالب أناس غير متخصصين، ونحتوا تاريخا خاصا بهم، مستغلين ابتعاد المؤرخين عن الإدلاء بدلوهم في هذه القضايا.
    لقد برهن الأستاذ القادري بوتشيش عن قدرة المؤرخ على الخوض في هذه القضايا، وتقديم نماذج من التاريخ، وربطها بالحاضر، لفهمها والتعرف على امتداداتها، وتبديد الأخطاء الرائجة حولها.
    لقد بنينا نحن المؤرخون حول أنفسنا أسوارا منيعة، وقيدنا أقلامنا بحجج متعددة، وفهمنا التخصص على أنه انغلاق وتقوقع في حقب تاريخية بعينها، وحرمنا على أنفسنا وعلى غيرنا الخروج منها. ومنا من استمرأ هذا التقوقع، فانقطع عن الإنتاج بالمرة. كما أننا قيدنا أنفسنا بكتابة أكاديمية، لا يفهمها إلا المتخصصون، ونسينا هذا الكم الكبير من القراء غير المتخصصين، والمتعطشين إلى كل جديد في مجال البحث التاريخي، والذين يحتاجون إلى لغة ميسرة، وتفسير لما يعاينوه حاليا من قضايا، تجد معظمها تفسيرها في التاريخ.
    هل يمكن الحديث عن تخصص حقيقي؟ وهل يجب على من تخصص في التاريخ القديم مثلا أن يبقى كل حياته رهينا لهذا التخصص الذي اكتسبه في بضع سنوات؟ مع أنه أصبح عمليا متخصصا في حقبة تاريخية أخرى بحكم تدريسه لها مثلا في الجامعة لعقود من الزمن؟
    لقد رأينا في الجامعة أساتذة كبارا بدأوا مسيرتهم العلمية في التاريخ الوسيط، ولكنهم اشتغلوا أيضا على التاريخ المعاصر، ومنهم من انتقل من التاريخ القديم إلى المعاصر، ومنهم من انتقل من حقل الأدب والفلسفة إلى حقل التاريخ. التاريخ المعاصر مثلا، كان إلى التسعينيات من القرن الفائت تاريخ القرن التاسع عشر، وقلة قليلة من الدراسات اهتمت بعهد الحماية، والنادر منها اهتم بما نسميه حاليا التاريخ الراهن، ونعني به ما بعد الاستقلال إلى الآن. وكما أن باحثا في التاريخ المعاصر يبحث في التاريخ الراهن، بدون أن يدرس هذا التخصص في الكلية، فإن زميلا له في التاريخ الوسيط يمكنه أن يبحث فيه أيضا. التخصص ينتج عن اهتمام واسع بالفترة، واطلاع على ما يكتب فيها، وعلى المناهج المستعملة في بحثها، أي التمكن من المنهج، والاطلاع الواسع، وتفهم طبيعة الفترة المراد البحث فيها.
    هذا لا يعني فتح الباب أمام كل من هب ودب للبحث في أي مجال، بدون إعداد العدة. الباحث الحقيقي يمتلك الأدوات الفكرية والمنهجية لتملك التخصص، ويغذيهما بالاطلاع الواسع والمتابعة، وهو ليس أقل باعا من الصحافي والحقوقي والسياسي وغيرهم ممن ينبرون لكتابة التاريخ بدون زاد معرفي ومنهجي.
    لذلك أحيي في الأخ القادري جرأته، ومشاركته المحمودة، التي يجب أن يقتدى بها.
    وبالنسبة لموضوع المقال، أجده مؤثرا جدا، ومؤلما، لأنه يلامس ملامسة خفيفة معاناة المرأة ضمن ما عاناه المغاربة في فترات من تاريخهم، حيث ديست إنسانيتهم، وأهينت كرامتهم، بدون أن يرد لهم الاعتبار في الغالب. أي اعتبار يمكن أن يرد إلى من تعرضت للاغتصاب، والقهر والسجن والتعذيب، وقد تخرج من السجن، لتجد أن معاناتها وسنوات محنتها غابت في متاهات النسيان، ولا أحد يذكر أو يقدر ما قدمته للوطن. قد تكون الشهادات صادمة ومؤثرة ، ولكن التاريخ كذلك، ولا نملك أن نتصرف فيه. وعلى ذكر الاغتصاب، فالشهادات كثيرة عن تعرض الرجال أيضا للاغتصاب والتعنيف الجسدي ، مما لا مجال للخوض فيه، والغرض دائما، إذلال المعني وإهانته، وكسر شوكة معارضته. لكن الحسرة دائما هي حين يخرج من معاناة السجن، ليجد أن ما كابده ضاع هباء، وأن لا أحد يأبه لتضحياته. لذلك فالتطرق لهذه المواضيع يعيدها إلى الواجهة، ويعطي لأصحابها بعضا من الاعتبار، وحبذا لو وضعت تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة بين أيدي الباحثين، وعندئذ فقط تكون المصالحة الحقيقية.
    شكرا أخي إبراهيم القادري بوتشيش على جهودك، ومتمنياتي لك بالمزيد من التوفيق

  3. د.أنور زناتي

    في الواقع وكما تعودنا من العلامة المغربي القدير الدكتور بوتشيش أن يضع يديه على الجرح ليس بغرض الألم ولكن بغرض التنبيه والالتفات إلى مشاكل المجتمع المعقدة والتي نادراً ما تكون موضع اهتمام نتيجة الخوف الدائم من التطرق لقضايا شائكة وخاصة قضايا المرأة وهذا المقال أعتبره مصارحة جريئة تفتح بابا لمن يجرؤ فقط ولكن السؤال الملح والذي يحتاج لاجابة هل هناك من يجرؤ بالفعل؟

  4. شيماء عبد القادر علي

    السلام عليكم ،
    مرة أخرى أحيي الدكتور إبراهيم بوتشيش على هذا المقال الرائع الذي ينصف المرأة من جانبين : فهي لا تزال مقصية في الكتابة التاريخية باستثناء بعض الأطروحات . كما انصفها من خلال استخراج معاناتها, أتساءل مع الدكتور : هل المصادر التي أوردها مكتوبة وشفوية كافية لكتابة أطروحة عن معاناة المرأة سجينة الرأي في المغرب، أم ما أوردتموه هو نماذج من مجموعة مصادر أخرى . أتمنى أن أقرأ المزيد عن هذا الموضوع الشيق وأن نغير عقليتنا في الاهتمام بتاريخ المرأة . مرة اخرى أشكر الموقع الذي أتاح لنا فرصة الاطلاع والاستفادة

  5. ليس من السهل ان نكتب التاريخ أو أن نستعيد قضاياه ببساطة إذ الأمر موكول إلى عدة معرفية و منهجية قادرة على الحفر في الإشكالات التي تزاوج بين النزعة الفلسفية و المعرفية دون القفز على مقومات التاريخ بخصائصه، و لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن غالبية القضايا التي لا زالت أسيرة ذهنية الطابو و المحرم ، هي مشاتل للبحث و التنقيب وفق طابع إشكالي محبوك.
    في هذا السياق تأتي محاولة أستاذنا الذي جلسنا منه مجلس الدرس ، و نحسب أن أي محاولة مهما كانت الظروف المحيطة بها هي جزء من الالتباس أكثر منها محاول مكتملة الأركان و الخصائص ، و نرجو أن تتاح لنا فرص الكتابة في هذا الموضوع تأسيا بالروح التي نبه بها أستاذنا عسى أن نقدم لهذا البلد بعضا من ديونه المتراكمة علينا .
    مرة أخرى أشد على يد أستاذنا و ناتمس منه المعذرة إن كنا مقلين في الكتابة في المواضيع ذات الطابع الإشكالي ، لأننا نشتغل في منطقة نائية تحد من قدرتنا على التواصل الفعال ، فلك مني ألف تحية

  6. سكينة بوحميدي

    شكرًا للباحث الجليل على هذا التنبيه للخوض في موضوع النساء المعتقلات فهن اغتصبن في شرفهن وكرامتهم ونزيد بصمتنا وعدم اهتمامنا بتاريخهن من جرحها الأليم. أنا اثمن الفكرة والتمس من الجمعية المغربية للبحث التاريخي والباحثين والمؤرخين الى الاهتمام بهذا الموضوع ، وشكرا للدكتور المحترم على أثارته.

  7. سعيد العمراني

    كان على الأستاذ المحترم أن يكون منصفا وأن يذكر من أين أخذ هذه الأفكار ، يمكن الرجوع إلى مقال الأستاذ محمد سعدي من جامعة محمد الأول بوجدة والمنشور ضمن كتاب هام حول التاريخ الشفوي والصادر عن المركز العربي للدراسات والأبحاث لمعرفة الحقيقة. وشكرا لكم على النشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .