Tuesday , August 11 2020
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / مع الباحثين / تعقيب على مقال الأستاذ عبد اللطيف الشاذلي في موضوع استعمالات أسماء الشهور الميلادية في الكتابة التاريخية

تعقيب على مقال الأستاذ عبد اللطيف الشاذلي في موضوع استعمالات أسماء الشهور الميلادية في الكتابة التاريخية

د. إبراهيم القادري بوتشيش

أشكر الباحث والمؤرخ الأستاذ عبد اللطيف الشاذلي على إثارة موضوع الاختلاف في كتابة الشهور الميلادية، وهو اختلاف من بين عشرات الاختلافات التي نجدها لدى الباحثين، فما إن تبدأ في تصفح بعض الكتب المنشورة أو الأطروحات المرقونة حتى تتضح مساحة هذا الاختلاف بدءا من طريقة كتابة الإحالة، مرورا بطريقة تصنيف الببليوغرافيا، ووصولا إلى رموز التحقيق، وهكذا دواليك… ولعلّ ذروة الاختلافات تتجسّد في التحول المفاجئ الذي نلمسه لدى الباحثين المتخصصين في العصر الوسيط مع نظرائهم في العصر الحديث والمعاصر، فما إن نصل إلى عتبة التاريخ الحديث (ق16م) حتى يتحول استعمال الوحدة الزمنية من التقويم الهجري إلى التقويم الميلادي، وهو تحول ينبغي الوقوف عنده والتفكير فيه مستقبلا أيضا، لأنه يكسّر رتابة الانتقال الزمني ، ويشوش على تتبع مسار التأريخ للوقائع والأحداث.

وفي هذا السياق فإن ما طرحه الأستاذ الشاذلي ينطبق بصفة خاصة على التاريخ الحديث والمعاصر، وبنسبة كبيرة أيضا على التاريخ القديم. أما بالنسبة للتاريخ الوسيط فإن المؤرخين الوسيطيين استعملوا الشهور الهجرية ( محرم ، صفر ، ربيع الأول ، جمادى الأولى الخ…) وهذا لا يطرح إشكالا ، اللهم إلا إذا أراد الباحث أن يوافق الشهور الميلادية بالشهور الهجرية. ومع ذلك فإن هذا لا يعفي الباحثين في العصر الوسيط كليا من توابع الإشكالية، وهنا لا أشاطر الرأي الأستاذ الشادلي بأن المغاربة لم يستعملوا الشهور الميلادية إلا بعد احتكاكهم بالأوروبيين خلال القرن 19م ، إذ نجد بعض المؤرخين في العصر الوسيط الذين استخدموا الشهور ” العجمية ” بتعبير لغة ذلك العصر إلى جانب الشهور الهجرية . ومن النماذج التي نسوقها في هذا الصدد نموذج المؤرخ ابن أبي زرع الذي أرّخ لمعركة الزلاقة بـ 23 أكتوبر )1086م(. وقد ورد ذلك في آخر نص الرسالة التي بعثها يوسف بن تاشفين إلى أهل العدوة بعد الانتصار المؤزر الذي حققه في هذه الوقعة كما يلي: ((…والحمد لله على ذلك كثيرا، وكانت هذه النعمة العظيمة ، والمنة الجسيمة يوم الجمعة الحادي عشر لرجب سنة تسع وسبعين وأربعمئة موافق الثالث والعشرين لشهر أكتوبر العجمي )) (الأنيس المطرب بروض القرطاس، تحقيق عبد الوهاب بنمنصور، دار المنصور للطباعة والنشر 1972، ص 151) .  وانطلاقا من مبدأ التقاطع بين مختلف أجناس مصادر تاريخ المغرب ، فإن كتب الزراعة والتقاويم الفلاحية وكتب الأنواء التي انتشرت في المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط استعملت أيضا الشهور الميلادية من يناير إلى دسمبر، وما يناسب كل شهر في السنة من زراعات وأغذية ( ينظر أسماء الشهور المسيحية عند ابن البنا المراكشي في الملحق الوارد أسفله). ومن جهتها أوردت بعض المصنفات التراثية المغربية- الأندلسية أسماء احتفالات مرتبطة بالشهور الميلادية من قبيل “عيد ينير”، و ”خميس أبريل” وغيرها من أسماء الشهور المسيحية التي نجد صداها أيضا في كتب الجغرافيا وفي بعض النصوص النوازلية و كتب الحوادث والبدع ، وكلها معطيات تجعل الباحثين في العصر الوسيط معنيين أيضا بالإشكالية التي طرحها الأستاذ الشاذلي.

بيد أن السؤال الذي يثار يتجلى في المعايير العلمية التي بنى عليها الأستاذ المنوه به صيغة الأسماء التي اقترحها لتكون موحدة ، فهل توجد في الأسماء الأخرى القريبة منها أو التي تختلف عنها في بعض الحروف المكتوبة أو المنطوقة بعض الشوائب التي جعلته يؤثر اختيار الأسماء التي اقترحها، أم هو مجرد اختيار من أجل الاتفاق على صيغة موحدة؟. وماذا عن التوحيد مع زملائنا الباحثين في المشرق الذين يستعملون أسماء أخرى ككانون الأول والثاني، وآذار ونيسان وغيرها.

وأحسب أن ما يجب أن نضعه أيضا كأرضية في النقاش حول هذه المسألة، أن التاريخ الميلادي نفسه- إذا جاز توظيف الدقة التي يتوخاها المؤرخ – لا يزال في معترك الخلاف بين الدوائر المسيحية حول يوم ميلاد السيد المسيح ، فما بالك بالشهر الذي وقع فيه هذا الحدث التاريخي. وقد توصل الباحثون الفلكيون المتخصصون إلى أن التقويم الميلادي حتى لا نقول الروماني أبعد ما يكون عن تاريخ ميلاد السيد المسيح شكلا ومضمونا، ولعلّ ما عرفه التقويم الميلادي من تقلبات ومراجعات كما ورد في المقال نفسه يعكس صحة هذا القول.

ويتولد عن الملاحظة السابقة تساؤل ذو صلة بالهوية والانتماء الحضاري: فمن المتعارف عليه أن الشعوب تستمد تاريخها وتقويمها من بيئتها ومعتقداتها وثقافتها ومكوناتها الحضارية . وإذا كنا لا ننكر كونية التقويم الميلادي وضمنه الشهور ودوره في مواكبة سيرورة التاريخ البشري، فإن تجربة التاريخ الإسلامي ارتبطت بظهور التأريخ بالهجرة النبوية وبالشهور القمرية التي تمتلك خصوصية زمنية متميزة. وآية ذلك أن الشهور القمرية هي شهور طبيعية لم تتدخل فيها أيادي التحريف أو التعديل البشري كما وقع في الشهور الشمسية الميلادية التي تمّ تغيير بعضها من 30 إلى 31  يوما، فالشهور القمرية أقرب إلى الدقة من الشهور الميلادية القائمة على نظام منازل الشمس في التأريخ، ولا يوجد أي اختلاف في أسمائها في النطق أو الكتابة. ومع ذلك يتم إقصائها في التاريخ المغربي الحديث والمعاصر. وحتى مصادر تاريخ المغرب الحديث كانت تؤرخ بالشهور الهجرية ، ولم تستعمل الشهور المسيحية إلا اضطرارا كما جاء في المقال. فإذا كانت القاعدة تقتضي أن المصطلح يتولد من المصدر، فلماذا نفرض نحن كباحثين مصطلحات اقتبسناها من التقويم المسيحي لنستعملها في أبحاثنا؟ هذا مجرد تساؤل يرتبط بإشكالية استعمال المصطلح ذاته قبل التفكير في توحيده. وشكرا لأخينا البحاثة المؤرخ عبد اللطيف الشاذلي على طرحه الذي أوحى لي بهذه الأفكار، والتي تظل هي الأخرى قابلة للنقاش والحوار.

وهذا ملحق بأسماء الشهور “الأعجمية ” كما وردت عند ابن البناء الأزدي المراكشي (ت. 721 هـ / 1321 م)، في مخطوط كتاب الأنواء بالخزانة الحسنية بالرباط ضمن مجموع رقم 9023 ( انظر المربعات الأفقية من الجدول على اليمين).

صورة الصفحة المعنية من المخطوط.

Manuscrit

2 تعليقات

  1. مارية دادي

    شكرا لأستاذنا عبد اللطيف الشاذلي على مقاله القيم والشكر موصول لزميلنا الأستاذ ابراهيم القادري على هذه الإضافات

  2. حتى استعمال المغاربة للأرقام ظل متميزا باعتمادهم الأرقام العربية الأصيلة 1 2 3…عكس ما دهب إليه اهل المشرق من استعمال للأرقام الهندية المعروفة، و أذا كان الغرب اليوم قد أخد تلك الأرقام و تبناها لدرجة يخيل للمرء أنه صاحبها و مبدعها، فلماذا لا يتم تعميم الأشهر القمرية لما فيها من الدقة كما أشار الاستاذ القادري باقتدار، و أن لم يكن ذلك متاحا بشكل عالمي فأحرى أن تعمم بين الباحثين المحليين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .