vendredi , mars 22 2019
أحدث الإضافات
Vous êtes ici: Accueil / News du site / شؤون تاريخية

شؤون تاريخية

عثمان المنصوري

بعد طول تردد، ارتأيت أن أفتح هذه النافذة للتواصل مع زملائي من الباحثين والمهتمين بالبحث التاريخي، لملامسة بعض القضايا التي تشغلنا جميعا، والتداول في شؤون البحث التاريخي وما يرتبط بها من مواضيع، وسأحاول أن أحافظ على موعدها الأسبوعي قدر المستطاع .

من المسؤول عن تردي البحث التاريخي؟

أصبح الحديث عن تدهور المستوى العلمي، لمعظم الأبحاث والمنشورات المنجزة، في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومنها حقل التاريخ، موضوع الساعة، بين المتخصصين والمهتمين. ويتجدد هذا الحديث كلما صدرت كتب جديدة أو نوقشت أطروحات جامعية، أو نظمت مباريات جامعية، للماستر والدكتوراه. لكن هذا الحديث يظل محصورا في مجالس خاصة، وقلما يخرج إلى العلن.

من مظاهر هذا التردي التي تتم الإشارة إليها باستمرار، مناقشة أطاريح جامعية تفتقر إلى أبجديات البحث التاريخي، وتتخللها عيوب في لغة الكتابة والمنهجية، ويغلب عليها السرد وتفتقد إلى تقنيات التركيب والتحليل والنقد السليم للمراجع، والتوظيف السليم للمصادر والوثائق، مع غياب الجدة سواء في اختيار المواضيع أو طرق التعامل مع المادة، مما يجعل هذه الأبحاث نوعا من التدوير للمعرفة، يعيد اجترار ما كتب قبلا، ويكتفي بتبديل العناوين وإعادة صياغة الفقرات والمواضيع. ويضاف إلى ذلك كله تخبط في التعامل مع الإحالات المرجعية سواء في الهوامش أو في الفهرس البيبليوغرافي، وغيرها من الملاحظات التي تصب كلها في خانة الضعف والتردي، والتي يعبر عنها أحيانا بالتسيب والفوضى. وما يقال عن الأطاريح وهي قمة المنتوج العلمي الجامعي، ينطبق أكثر على ما ينشر في وسائل النشر المختلفة، من مجلات وأعمال ندوات ومناسبات وجرائد ومنابر إلكترونية، بحيث إن المتلقي يجد نفسه في حيرة وتخبط بين الأعمال الجيدة المتخصصة والكثير من الأعمال الرديئة، التي تسوق للقارئ كأعمال رائدة. ويزداد الأمر استفحالا حين نعلم أن الكثير من الكتاب الهواة يتعاطون للكتابة التاريخية بدون ضوابط، ويسمون أنفسهم بالمؤرخين، ويصدرون أحكامهم، ويقدمون تصوراتهم عن الكثير من القضايا التاريخية، ويروجون لها في وسائل الإعلام المختلفة، وفي الملتقيات المتعطشة إلى أعمال تلبي رغبة الناس في التزود بالمعرفة التاريخية.

في أغلب المناسبات التي جمعتني ببعض المهتمين بالبحث التاريخي، من أساتذة وطلبة ومثقفين، وخاصة في المعرض الدولي للكتاب، كانت أصابع الاتهام تتجه بالأساس إلى المؤلفين من طلبة وباحثين، وترجع حالة التردي إلى تدني مستوى الطلبة -وهم المنتج الرئيسي للبحث- وضعف إمكانياتهم اللغوية، وقدرتهم على التعامل مع المصادر واستيعاب الدراسات السابقة وخاصة منها ما كان بلغات أجنبية، وإهمالهم للمناهج وتقنيات البحث، وسطحية تناولهم للمواضيع، وغير ذلك من الملاحظات. وقد حضرت مناقشة عدد من الأطاريح الجامعية، التي انهالت فيها لجنة المناقشة على الطالب بالملاحظات التي تعيب البحث وتعني – عمليا- ضرورة إعادة كتابته، وعدم صلاحيته للتقديم إلى المناقشة. لكن نفس البحث يحظى بميزة مشرف جدا، بل ويصدر منشورا بعد سنة من إنجازه بنفس الأخطاء والملاحظات.

هل يتحمل الطالب وحده المسؤولية؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده، وهو الذي سيدفعنا إلى الحديث بعد ذلك عن العوامل المتعددة والمتشابكة و المسؤولة عن التردي الذي تشهده ساحة البحث.

ماذا أعددنا لهذا الطالب / الباحث ليكون باحثا في المستوى؟

يمكن لأي حاصل على الباكلوريا أن يسجل نفسه في شعبة التاريخ، بدون شروط أو مواصفات، وبدون حصر للعدد، وبعدها يجد الطالب نفسه مع أعداد غفيرة من الطلبة، يؤطرهم أساتذة يعملون فوق طاقتهم، بنسبة تأطير لا تسمح بتكوين علمي سليم، ولا بتقويم أعمال الطلبة تقويما جيدا، فيتدرج هؤلاء في المسالك، بدون التمكن من أدوات العمل والمناهج، وبدون تقويم ما يشوب مسارهم من خلل ونقص.

إن الطالب الذي أشرنا إليه أعلاه، لا يتحمل وحده نتيجة تدني مستوى بحثه، فقد تم اختياره إثر مباراة لمتابعة سلك الماستر، ثم تم اختياره من جديد لمتابعة سلك الدكتوراه، وتم الإشراف على أطروحته من لدن أستاذ آخر، وهو الذي سمح له في الأخير بأن يقدم أطروحته إلى لجنة المناقشة، وهذه اللجنة هي التي قامت بفحصها والاطلاع عليها وأبدت موافقتها على مناقشتها، وناقشتها ومنحتها الميزة التي ارتأت أنها تستحقها.

الطالب ليس مسؤولا عن ضعفه، لأن المفروض أن ينبَّه إلى ضعفه، وإلى تدارك النقص، و أن لا يُسمح له بالانتقال إلى المستويات التي لا يتوفر على مؤهلات للدراسة بها. لا بد من أن نفتح أعيننا على المشاكل الأخرى المسؤولة عن تدني مستوى البحث، ومنها مسؤولية الأساتذة الذين ينصاعون لإكراهات تمس القيمة العلمية للتكوين،  والنظام التعليمي الذي لا يسمح بتكوين علمي سليم، ولا يتوفر على آليات لمراقبة التجاوزات والتهاون، وتقويم الاختلالات. كما أن جانبا كبيرا من المسؤولية يقع على عاتقنا جميعا لأننا لا نتابع ما ينشر بالقراءة النقدية البناءة، والتوجيه، لإشعار المؤلفين بضرورة احترام القراء، واحترام الضوابط العلمية. كما أن البحث التاريخي المغربي في حاجة إلى التنسيق بين جميع الجهات المنتجة له، وخاصة على مستوى التعليم الجامعي، لوضع مركز يتوفر على  بنك معلومات بعناوين جميع الإصدارات والأبحاث، وينسق بين مراكز البحث والجامعات، من أجل وضع برنامج متكامل يمنع تكرار المواضيع، وينبه إلى الجديد منها، ويقدم اقتراحات وتصورات تفيد الباحثين وتسهل مأموريتهم.

هذا الطالب الذي يشار إليه دائما عند إثارة موضوع تدني مسؤولية البحث، نتاج وضعية غير سوية، ولكن لا يجب أن يترك لحاله. لا بد أن نأخذ بيده، وننبهه إلى مكامن الخلل، ونحثه على تدارك ما يعتور تكوينه من نقص، ونقدم له يد المساعدة، بدل أن نغرقه بالتقريض والتمجيد، اللذين قد يزيدان من تعميق مشكلته.

 

2 commentaires

  1. رابح المغراوي

    الإشكالية صميمية، وتحتاج إلى نقاش دائم ومستمر، من قبل المهمومين بهذا الشأن، القلقين على حال ومستقبل البحث التاريخي العلمي، وعلى مصداقية شواهد الجامعات في بلادنا.
    ولا شك، إنصافا، أن الظاهرة عامة، وقد لا أكون مبالغا إن قلت أنه يتسع إلى أبعد من حدود بلادنا، لأنه مرتبط بصورة أساسية بالمنظومة كلها، وزارة ووجامعة وأستاذا وطالبا، كل يتحمل مسؤوليته بقدر صلته بالأمر إدارة وإشرافا وتوجيها.
    وأعتقد أن الأمر بدأ منذ بداية الإصلاح، وكذا ربط الترقيات الأنشطة الإدارية والبحثية، فأصبح اللهاث مهووسا، والعجلة ملحة، والارتجال طابعا.
    فكيف ينتج نظام جامعي بهذه الصورة المرتبكة وقلقة و المستعجلة وغير المستقرة نتاجا مرضيا.
    إن موسما جامعا لا يتجاوز أربعة أشهر جامعية في كثير من الجامعات، أكثره اختبارات شكلية، لا شك أنه لا يساعد على التحصيل الحقيقي.
    أضف إلى ذلك التراجع المزمن، والبضاعة المجزاة التي يأتي بها استقطاب جامعي مفتوح، ياتي بالنطيحة والمتردية من الطلاب، والذين أغلب همهم الحصول على النجاح ثم الوظيفة بأي ثمن.
    الحديث في الموضوع ذو شجون الأستاذ عثمان، ولا بد من وقفة للتأمل ومراجعة الحصيلة والنظر إليها نظرة فاحصة ناقدة بكل حيادية وموضوعية ومسؤولية، ينخرط فيها كل غيور، يبدأ فيها بالتحسيس، مثل هذه المبادرة، ثم الحوار والنقاش، ثم طرح الحلول ثم الدخول في عملية إجرائية عملية تصحيحية، وأقترح أن يؤسس في ذلك جمعية إن اقتضى الحال وسمح بذلك القانون، ينخرك فيها كل أستاذ مقتنع بأهمية المشروع، وتكون هنالك قوانين وضوابط عادلة وذات مصداقية وآليات إجرائية تضمن المتابعة والتأثير وتحقيق الأهداف المنشودة.
    هذا وللحديث بقية إن تيسر.

  2. كثيرة هي الاسئلة التي أحملها عن الواقع الموصوف، أسئلة ولدت من رحم مشاهدات مشينة وقراءات عبيطة، ولو كنت أعلم أنها ستعتبر وتناقش لطرحتها، لكني اتصور أن الفكرة حالمة ستغتال صبية. لنضعها في مستقبل ماض، اي في زمن ذهني مضى لكنه مأمول الرجوع. أليس في هذه الفكرة شيء من التاريخ.!؟

Répondre

Votre adresse email ne sera pas publiée.