lundi , décembre 9 2019
أحدث الإضافات
Vous êtes ici: Accueil / News du site / شؤون تاريخية 4: تكسير المرايا لا يجدي نفعا

شؤون تاريخية 4: تكسير المرايا لا يجدي نفعا

عثمان المنصوري

عثمان المنصوري

تكسير المرايا لا يجدي نفعا

       يحكى أن رجلا ذميما اشترى مرآة جميلة غاية في الإتقان، بمبلغ محترم، ولبس أفضل ثيابه، وجلس أمامها، ونظر إلى صورته فاستشاط غضبا وقام بتكسير المرآة لاعنا الصناع الذين صنعوها، وأنحى باللائمة على الغش والفساد اللذين تسربا إلى هذه الصناعة فأفسداها.

       تسألني ما علاقة هذه الحكاية بموضوع البحث التاريخي، وما أنا بصدد الحديث عنه في حلقات هذه الشؤون، وأجيبك إن هذه الحكاية تلخص جزء من المشاكل التي يعاني منها هذا البحث.

       إن أهم خطوة في البحث عن أي حل، هي الوعي بوجود مشكل، وتشخيصه تشخيصا دقيقا، وعدم التملص منه بإلقاء المسؤولية على الآخرين. وليس عيبا أن يقر الإنسان بأخطائه، ونواقصه، ويسعى إلى تجاوزها وإصلاحها، بالنقد الذاتي والتقويم المستمر لها. نحن جميعا نتحدث وبإسهاب – في مجالسنا الخاصة- عن مشاكل التدريس بالجامعة: أساتذةً وطلبة وإداريين، وكلنا نتحدث عنها بضمير الغائب، وكأن الأمر لا يعنينا. نُغَيب النقد الذاتي ولا نراجع سلوكاتنا وطريقتنا في العمل، ولا نخصص وقتا لنسأل أنفسنا أسئلة عديدة لا بد منها.

       هل قام الطالب بما يجب عليه، ونمّا معارفه وقدراته المعرفية، وقضى ما يكفي من الوقت في التكوين الذاتي، وبادر إلى تكملة ما ينقصه في اللغات والمعرفة والاطلاع، واستفاد من حصص الدروس والتطبيقات، واطلع على ما يكفي من المصادر والمراجع، وتعلم الجلوس لساعات في المكتبة، واقتنى ما يشبع عقله من الكتب، واعتمد على نفسه، وتجنب الغش والنقل وأساليب التملق للوصول إلى نجاح لا يستحقه؟

       وهل سعى المسؤول الإداري إلى تعبئة طاقات إدارته لتيسر مهمة الطلبة والأساتذة: ووفر الأقسام والمدرجات ومكاتب العمل والاستقبال والمرافق المختلفة، وزود المكتبة بالضروري من الكتب والمجلات العلمية وصور المخطوطات والوثائق التي لا مندوحة عنها للباحثين في حقل التاريخ، ووفر الحافلات للرحلات العلمية، وعقد الاتفاقيات من أجل التكوين المستمر، وفتح المجال للتعاون مع الجامعات الأخرى والمؤسسات المرتبطة بالبحث والتكوين، وسهر على حسن سير الدروس والامتحانات ومحاربة الاكتظاظ، وتوفير الأجواء المساعدة على العمل، والتشجيع على البحث.

       وهل قام الأستاذ بدوره كاملا، وأعد نفسه لمهمة التدريس، وراجع نفسه باستمرار لتطوير أدائه، ووقف في وجه الضغوط التي تفرض عليه أعدادا من الطلبة تفوق طاقته، ووقتا لا يكفي لتقديم حصص المقرر كاملة، وإجراء امتحانات بدون توفر إمكانيات المراقبة السليمة للممتحنين، ولا الوقت الكافي للاختبارات الشفوية، ولا للإشراف المباشر على الأبحاث. وهل تساهل في عمله وسمح لضعاف الطلبة بأن ينتقلوا إلى مستويات أعلى لا يستطيعون مجاراتها معمقا بذلك معاناتهم وضعفهم. هل سكت/ أو تواطأ بالسكوت عن الظواهر غير الصحية التي تسربت إلى الجامعة وأفسدتها؟ وهل حرص على تطوير أدائه، وتنمية قدراته في التدريس والبحث، ومراجعة ما يمكن أن يعتري عمله من نواقص ومشاكل؟

       أدرك جيدا أنني لا أضيف جديدا من خلال هذه المقالات، وأن أهل مكة أدرى بشعابها، وكلهم واعون ومدركون لكل ما أشرت إليه، وألسنتهم لا تفتر عن الحديث عن هذه المشاكل وغيرها، ومعظمهم يجمعون على ضرورة القطع مع المظاهر السلبية التي تسيء إلى الجامعة وأهلها. لكن الوعي وحده لا يكفي، لا بد من الانتقال إلى درجة ردود الفعل الإيجابية لتجاوز ما يمكن تجاوزه، حتى تلعب الجامعة الدور المنوط بها.

       إن الطفل الذي يدخل إلى الحضانة، ومنها إلى التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، أمانة في أعناقنا جميعا، ويجب أن يكون قادرا على مواصلة التعليم الجامعي بعد حصوله على الباكلوريا. ومهمة الجامعة أن تأخذ بيده، فإن كان مستواه ضعيفا جدا، لا يَسمح له بمتابعة دراسته في حقل التاريخ، فلا معنى للتغاضي والسماح له بالانتقال إلى مستويات أعلى، لأننا بذلك نزيد من معاناته، ونضيع عليه وقتا ثمينا من عمره، كان حريا به استغلاله فيما يعود عليه بالنفع، وإن   كان به نقص مقدور عليه، فمهمة الأساتذة أن يبينوا له نقصه، ويرشدوه ويقترحوا عليه تصحيح نقصه، خلال سنوات دراسته بالجامعة.

       نحتاج جميعا إلى إخراج مرايانا من أدراج التناسي، ونجلو عنها الصدأ، وحين سننظر إليها، ستظهر لنا مزايانا وعيوبنا. وليس مطلوبا منا جلد الذات كما فعل الحطيئة حين نظر إلى وجهه فقال:

          أرى لي وجها شوه الله خلقه      فقبح من وجه وقبح حامله.

ولكننا نستطيع أن نعتني بأنفسنا، ونقوم بتقويم ذاتي، ونستمع إلى الانتقادات برحابة صدر، سواء كنا معنيين مباشرة، أو بشكل ضمني، فبدون ذلك لا يرجى خير من العملية التعليمية برمتها، ولا يُعول على تكوين أجيال قادرة على البحث التاريخي الحقيقي. لنعتنِ بمرايانا، فبدونها لن يتغير شيء فينا، وحذار حذار من تكسيرها لأنه لن يجدينا نفعا.

Un commentaire

  1. عبد الحميد حدوش

    لو بعث الحطيئة من جديد لصنعت له مرآة تزين له ملامح وجهه وأنسته قبح قسماته،فالإشكال كله يكمن في الاستسلام الشامل للفاسد والرديئ.ليس فقط في البحث العلمي وإنما في جميع شعب ودروب المرفق العام.
    أستاذي العزيز أشاطرك التحليل وأقتسم معك الحرقة والخوف على مصير البحث التاريخي

Répondre

Votre adresse email ne sera pas publiée.