Saturday , August 24 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / (المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري (الجزء الثاني

(المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري (الجزء الثاني

3

المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي

مسار في حوار

  إنجاز عثمان المنصوري

(الجزء الثاني)

 

  •  ارتبط صدور كتاب تاريخ المغرب بالتحاقكم بالعمل في كلية الآداب بالرباط، هل يمكنكم أن تتحدثوا لنا عن هذه التجربة؟

 في أكتوبر 1967، شرعت في التدريس بكلية الآداب بالرباط، وكنت أدرس الفترة الحديثة: القرن 16 و17، بعد أن سبق لي تدريس بضع حصص في السنة السابقة عن التاريخ الروماني. وفي الواقع، هما الموضوعان اللذان تطرقت إليهما في كتابنا. وقد حددت اشتغالي سريعا في الفترة الحديثة التي كانت تهمني أكثر، والتي توجد عنها وثائق غنية جدا، وخاصة في مجموعة المصادر غير المنشورة لتاريخ المغرب، (التي اكتشفت أهميتها بالمكتبة الصغيرة لثانوية محمد الخامس التي أحدثها غاسطون دي فيردان)، وأيضا في الحوليات البرتغالية لنفس الفترة. كان يظهر لي أنها تعوض ندرة الوثائق العربية، – حسب ما وصلني من الترجمات- وفقرها، وخاصة في المجال الذي يأخذ باهتمامي، وهو الاقتصاد والمجتمع. كنت في الواقع قد سجلت موضوعا للأطروحة حول التوجهات الجديدة للتجارة العالمية في القرن 16، تحت إشراف كلود كاهين. في عملي بالكلية، أثارت بيداغوجيتي الدهشة، بسبب اختلافها عن المألوف، فلا محاضرات عامة، وإنما التعليق على نص موزع سلفا، (حين يكون ذلك ممكنا)، وموجه للتطرق للقضايا ذات الأهمية العامة التي يثيرها. كان يظهر لي أن تلك هي أحسن طريقة للدخول إلى مجال غير معروف أو موسوم جدا بخلاصات اعتباطية. كان يجب أن  نطور لدى الطلبة فضولا، وروحا نقدية، وبعض الخصائص الأساسية للمؤرخ، وليس التوجه فقط إلى ذاكرتهم.

  •   في هذه الفترة صدر لكما أنتم وحميد التريكي المقال المشهور عن المجاعات والأوبئة

لا شك أن معاينتي بنفسي للآثار الكارثية التي أحدثها الجفاف الشديد الذي أصاب مناطق كثيرة من المغرب، هو الذي دفعني إلى الاشتغال مع حميد التريكي، تلميذي السابق في ثانوية محمد الخامس، الذي أصبح مؤرخا، على الأوبئة والمجاعات، انطلاقا من المصادر الأوربية والعربية المتاحة. كان هذا التعاون بالنسبة لي تجربة جميلة جدا، وغنية بالتبادل المستمر الذي طبع البحث عن الوثائق، ونقد محتوياتها وإعداد الخلاصات. وكم كان بودي أن يستمر هذا التعاون، بسبب أن المنهجية كانت مثمرة، وأن النتائج اعتبرت هامة. صدر مقالان طويلان في هسبريس–تمودا في سنتي 1973 و 1974، ويمكن القول إنهما فتحا آفاقا جديدة للباحثين.

ROSEMBERGER P2

  •   ما هي سياقات مغادرتكم للمغرب؟

          تركت المغرب في يوليوز 1973. يمكن أن أقول بوضوح إنني لم أقبل بأن أرى إقامة الامتحانات وكأن شيئا لم يحدث، في الوقت الذي كانت فيه السنة غير عادية بالمرة: على إثر حركات طلابية قمعت بشدة، بينما تم إغلاق كلية الآداب منذ أكتوبر سنة 1972، ولم تكن تعطى إلا بعض الحصص في المدرسة العليا للأساتذة. أية قيمة يمكن أن تكون لشهادات تمنح في هذه الظروف؟ وأي تكوين حقيقي سيحصل عليه الطلبة، أساتذة المستقبل؟  أدى موقفي إلى توتر مع المسؤولين بالكلية، ولم يكن هناك تضامن من زملائي الفرنسيين. وقد استفاد من بقي منهم من سنة تفرغ، لأنه خلال الصيف قرر جلالة الملك الحسن الثاني تعريب تدريس التاريخ والفلسفة بالكلية، المتهمان بتحريض الشباب على الثورة، وهو، لو تأملنا جيدا، كلام يمكن أن يكون فيه شيء من الصحة. بعد ذلك استُقدم أساتذة من الشرق الأوسط، ومنهم من لا يعرف شيئا عن تاريخ المغرب، حملوا المشعل بمناهج جد تقليدية. ما زال العديد من الطلبة الذين تعرضوا لهذا التحول يذكرونه.

  •   لقد كنتُ من بين الذين عاشوا هذه التجربة، مع طلبة الدروس المعمقة حيث عين أساتذة لا يعرفون شيئا عن تاريخ المغرب ولا يميزون بين معنى المخزن والسيبة.. واضطرت إدارة الكلية أمام احتجاجنا إلى إرجاع الأستاذين جرمان عياش وابراهيم بوطالب في تخصص التاريخ المعاصر. وماذا عن نشاطكم البيداغوجي بالثانوي؟

قبيل مغادرتي المغرب، أَنجزتْ لجنة صغيرة، كنت أديرها، كتابا مدرسيا جيد الإعداد، غنيا بالصور ووسائل الإيضاح، موجها لتلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي، ومطابق لبرنامج 1967، وكان يتطرق للتاريخ القديم، من فترة ما قبل التاريخ إلى الفتوحات العربية. وقد تطلب الكثير من العمل، ولكن لا شك أن ناشره اضطر إلى التخلص منه. ما زلت لا أعرف حجم الخسائر المالية التي ترتبت عن ذلك. كان السبب الذي قدمته الوزارة هو أنها ستعرب تدريس هذه المادة، مع أننا كنا نعلم تمام المعرفة بأن الدروس ستعرب، وكانت هناك ترجمة متوقعة للكتاب. في الحقيقة وبدون أن يقولها لي أحد، كان الدافع الحقيقي هو فيتو من لدن الوسط التقليدي الذي لم يقبل أن يقدم التاريخ القديم وبداية الإسلام في نفس الكتاب: لأن هذا سيؤدي حسبهم إلى الاعتقاد بوجود استمرارية، وأن الإسلام لم يكن قطيعة تامة مع الجاهلية. بالنسبة لنا، نحن المؤرخين، كان هناك سببان حددا هذا الاختيار، الأول هو الضرورة المفروضة من الوزارة، بعد أن تم اختزال مدة الدراسة بالسلك الأول، وإفراغ المقرر الذي كان سابقا يدرس في أربع سنوات في ثلاث سنوات. والثاني كان في نظرنا كما في نظر المختصين في هذه الفترة، أن الحضارة الإسلامية لم تخرج من العدم، ولكنها ورثت في الكثير من المجالات عن الامبراطوريات التي توسعت فيها. يمكن أن نتأمل في هذه المسألة التي تبين صعوبة إنجاز تاريخ متحرر من المسلمات الإيديولوجية. لا أعرف هل استغل عملنا من لدن مؤلفي الكتاب بالعربية، وأعتقد أنهم اكتفوا بالترجمة. لكننا لم نحظ بالشكر.

  •   عدتم إذن إلى فرنسا وبدأتم حياة مهنية جديدة

كان علي أن أعود إلى التعليم الثانوي بفرنسا، في ثانوية صغيرة، تابعة لعمالة هيرولت (Hérault)، والتي اشتغلت فيها لمدة سنتين. وبناء على وعود جعلتني آمل بالحصول على منصب في كلية الآداب بمدينة نيس، فقد طلبت نقلي إلى هذه المدينة. وتم تعييني بها لمدة ثلاث سنوات بثانوية مهنية وتقنية، حيث لا يشكل التاريخ والجغرافية بالنسبة لتلاميذها سوى أهمية ضئيلة. كان ذلك قاسيا جدا. لكن هنا أيضا، لعب الحظ. فقد شغر منصب بالجامعة التجريبية الجديدة لباريس 8، التي أنشئت سنة 1968. كان مخصصا ل “تاريخ العالم الإسلامي الوسيطي”. وتم اختياري سنة 1978 من قبل بعض الزملاء الراغبين في الحفاظ على تدريس هذه المادة. أصبحت إذن “وسيطيا”، وهو بالنسبة للموضوع المعني ليس له نفس المعنى الذي للعالم المسيحي. بيد أنني قمت بمحورة دروسي حول الأندلس والمغارب، وعلاقاتهما بالدول المسيحية، بنفس المنهج الذي اتبعته بالرباط: لا محاضرات عامة، إلا في النادر، ولكن دراسة الوثائق التي منها يمكن تقديم إضافات على مرحلة معينة أو مؤسسات …إلخ. استفدت خلال كل المدة التي درست فيها بهذه الجامعة، مثلما كان الشأن بالرباط، من حرية واسعة في اختيار مواضيعي، وطريقة معالجتها. كان الطلبة جد متعلقين بالدرس. الكثيرون أعادوا دراساتهم، والبعض منهم لم تكن لديه حتى الباكلوريا. كانت المواضيع المعالجة في الدرس تجلب عادة أكثر من الرغبة في نيل الشهادات الجامعية. وقد نتج عن هذا مناخ خاص جدا، سلس وودي يسمح بالتبادل. على الرغم من أن هذه الحرية أصبحت أضيق شيئا فشيئا، بعد أن شرعت وزارة التربية الوطنية في ضبط نظام التدريس. وكنت سعيدا جدا في هذا الإطار الذي يستهان به أحيانا ، وتعرفت فيه على الكثير من الطلبة والطالبات من أصول مغاربية. وتابعت في المقابل الحفاظ على علاقات مهنية وودية مع طلبة قدامى وزملاء من المغرب، خلال الأسفار التي كنت أقوم بها هناك.

تابع في الجزء الثالث …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .