Saturday , August 24 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي: مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري – الصيغة العربية – (الجزء الثالث والأخير)

المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي: مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري – الصيغة العربية – (الجزء الثالث والأخير)

ROSEMBERGER ET AUTRES2

المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي

مسار في حوار

 إنجاز عثمان المنصوري

(الجزء الثالث والأخير)

  •  يلاحظ المتتبعون لأعمالكم أن هذه المرحلة كانت غنية بالإنتاج، الذي اتسم بالتنوع، وتجربتكم لمجالات جديدة، أخذت منكم وقتا حتى اعتقدنا أنكم ستقصرون اهتمامكم عليها، كما هو الشأن عن كتاباتكم عن التغذية والمواد الغذائية.

في الواقع إن استئنافي للتدريس الجامعي هو الذي أطلق أبحاثي، انطلاقا مما اكتسبته من تجربة الكتابة عن الأمراض والمجاعات سابقا. وهكذا نشرت مجموعة من الدراسات عن التغذية البديلة/التعويضية، ومخازن الحبوب إلخ… كما أن بعض الكتب عن الوجبات والوصفات الطبية، مكنتني من الانفتاح على رؤى عن تغذية مجموعات اجتماعية مختلفة وعن النظام الغذائي الصحي الذي دعا إليه أطباء عرب ورثة العلوم اليونانية. يجب القول إننا كنا عدة أساتذة بباريس 8 نهتم بهذه المواضيع، التي ظهرت لنا آنذاك جد حديثة . بعض هذه الدراسات تجمعت في كتاب ظهر بالمغرب سنة 2001 تحت عنوان: “المجتمع السلطة والتغذية: الطعام والهشاشة في مغرب ما قبل الاستعمار”. لم تكن الطبعة جيدة للأسف.

  •  يظهر أن صلتكم بمواضيع التغذية لم تنقطع

فعلا، بما أنني اكتسبت شهرة كمتخصص في مشاكل التغذية، فقد كانت مشاركتي مطلوبة أحيانا ((كثيرا جدا في الآونة الأخيرة)،  في ندوات ومؤلفات جماعية في سنوات 1994 و 1996 و 1999 و 2002 و 2004 و 2005، ومؤخرا سنة ،2014  صدر لي مقال في المجلة الإلكترونية (Afriques n°5) عن أغذية الشارع والسفر( الأكل في الأزقة وفي طرق الغرب الإسلامي القرن 13- 18). والممتع أن بعض المقالات نشرت بالإسبانية مثل مقال ( Dietetica y cocina en el mundo musulman occidental) عن التغذية الصحية والمطبخ في العالم الإسلامي الغربي، سنة 1996. كما أن مقالين آخرين ترجما إلى التركية !

  •  هذا لا يعني إهمالكم لتاريخ المغرب في الفترة الحديثة وعلاقاته بشبه الجزيرة الإيبيرية

لا لم يصل بي الأمر إلى حد إهمال علاقات المغرب مع شبه الجزيرة الإيبيرية التي ظلت المركز الرئيس لاهتماماتي. بعض الندوات خولتني فرصة عرض نتائج الأبحاث التي قمت بها في هذا المجال. في سنة 1987، “البرتغال والإسلام المغاربي”؛ وفي سنة 1988، “المورسكيون والعلوج: اعتناق الإسلام بالمغرب في بداية القرن 16″؛ في 1993، “الحملة الإفريقية والسلطة الملكية بالبرتغال في القرن 15″؛ في سنة 1994، العلاقات الاقتصادية للأندلس السفلى مع المغرب الأطلنتي(منتصف القرن 15- منتصف القرن 16″)، و”مشكل مضيق جبل طارق في نهاية العصر الوسيط” بالإسبانية؛ وفي سنة 1995، “مراقبة مضيق جبل طارق في القرن 12-13” و”العلاقات بين البرتغاليين والمسلمين بالمغرب في القرن 16″؛ في سنة 2000، “اليهود المطرودون من إسبانيا والبرتغال إلى المغرب في القرن 16″؛ وفي سنة، 2002، “جوانب من تجارة البرتغال مع المغرب في القرن 15-16”. وطبعا لم أتناول فقط الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولكن تطرقت أيضا إلى الجوانب الإنسانية فى الموضوع. وفي اللقاء الرابع بين المؤرخين المغاربة والبرتغال، تمكنت من تقديم إضاءة جديدة عن تاريخ احتلال أسفي من البرتغال سنة 1508. ظل المغرب بحد ذاته موضوعا أساسيا في أعمالي.

  •  مقالكم عن يحي أوتعفوفت يخرج عن السياقات السابقة، ما سر اهتمامكم بهذه الشخصية وبالتأريخ للأشخاص؟

في إطار المحاولة البرتغالية للهيمنة، فإن شخصية يحي أوتعفوفت ودوره، ظهر لي في سنة 1993 أنهما يستحقان إعادة النظر، لأن حقيقة هذه الشخصية تبدو لي مركبة، وتستحق تحليلا مناسبا لتوضيحها. فهو لم يكن لا دعامة مطيعة لملك البرتغال، ولا خائنا صريحا لبلده. لا يجب أن نلصق بفترة ومجتمع جد مخالفين لمجتمعنا وفترتنا تعاريف لا تتطابق معها.

ومؤخرا، اشتغلت أيضا على شخصيتين مشهورتين في تاريخ المغرب، هما: ابن خلدون وليون الإفريقي. بالنسبة لابن خلدون، شاركت في ندوة بغرناطة بمناسبة تخليد ذكرى وفاته الستمائة، تمكنت من أن أظهر أنه بالتأكيد قرر الشروع في كتابة مؤلفه الكبير بموازاة مع الاضطراب الذي عرفه البحر الأبيض المتوسط بسبب الطاعون الكبير سنة 1350. وأردت في سنة 2009، توضيح دور الثاني في خدمة سلطان فاس الوطاسي، الذي كلفه بمهام جعلته يتنقل داخل المغرب ويسافر إلى إفريقيا السوداء ونحو الشرق.

  • يصعب على القارئ المغربي تتبع كل إنتاجاتكم، لتنوعها وتنوع أماكن نشرها، إضافة إلى عائق اللغة، هلا تفضلتم بتعريف القارئ ببعض الإنتاجات الأخرى التي يمكن الاطلاع عليها من لدن الباحثين المهتمين بالفترة الحديثة.

لدي مساهمات في العديد من الندوات، لم تنشر كلها، لكن تلك التي كانت عن وجود ألفية بمغرب للقرن 16 بارتباط مع قدوم السعديين، والتي قدمتها بمراكش سنة 1993، تم نشرها في السنة الموالية بكلية الآداب الرباط. تلتها سنة 1996، دراسة عن إنتاج السكر بالمغرب في القرن 16، في جوانبه التقنية والاجتماعية، وهو موضوع كان يجب إبراز قيمته، باعتبار أهميته للسلطة السعدية، وهو ما قامت به في نفس الوقت، طالبة مغربية في أطروحتها التي لم تشفع لها مع ذلك في ولوج إحدى الجامعات ببلدها. وفي إطار هذا النشاط وغيره، قمت بدراسة الدور الواضح لليهود كمحاسبين ومقاولين وتجار، نشرته هسبريس تمودا سنة 1999، ضمن أعمال ندوة أقيمت سنة 1995 بالرباط. وفي السنة التالية، ظهرت –للأسف- في مجلة غير معروفة جيدا، (Mésogéios) دراسة أعتبرها هامة عن السعديين والمحيط الأطلنتي، هادفة إلى توضيح طموح نظرتهم السياسية. وأردت أيضا بعد ذلك بقليل إثارة الانتباه من جديد إلى مكانة البحر المتوسط في انشغالات السلطات المغربية المتتابعة، والمرينيين على الخصوص. وقد خصصت للأسود مقالا صغيرا سنة 1997، وأعتقد أنهم يستحقون دراسة أطول وأعمق بسبب مكانتهم عند الصلحاء، وفي صورة السلطة السلطانية. وفي سنة 1995، ساهمت في إسبانيا في عدة ندوات، بمساهمات عن دور المدن الإسلامية الأولى في نشر اللغة العربية أو كمراكز اقتصادية وسياسية، وأعادتني إلى هذه المرحلة غير المعروفة جيدا، والتي أصبحت بسبب ذلك مجالا للخيال.

  • كانت لكم أيضا مساهمة في بعض المؤلفات الجماعية، وأشرفتم على بعضها

نعم، وبما أننا نتحدث عن أعمال جماعية، في سنة ،1977كتبت مقالا صدر في كتاب دراسي بالألمانية عن الاستشراق بإشراف ب. سبولر(B. Spuler). ومن الأكيد أنه بحاجة اليوم إلى مراجعة جدية، وكان عن التاريخ الاقتصادي لدول المغرب الإسلامية. كما أنني تطرقت لمزاولة التجارة والتحولات الاقتصادية، في المجلدات التي أشرف عليها جان كلود كَارسان(Jean-Claude Garcin)  والتي عنوانها: دول ومجتمعات وثقافات العالم الإسلامي الوسيطي.

  • لم يشفع لكم مقامكم بالمغرب ولا انشغالكم بتاريخه في تعلم اللغة العربية مما شكل نقصا واضحا  في المصادر التي اعتمدتم عليها، والتي تأتي في طليعتها بدون شك مصادر دوكاستر.

لا يجب الاستهانة – مع ذلك -بأهمية المصادر غير المنشورة لتاريخ المغرب. من جهة هي لا تهم إلا القرنين 16 و 17، ولا تقول شيئا عما سبق، ومن جهة أخرى، فإن استغلالها يستوجب اللجوء إلى مصادر أخرى، وإلى حوليات برتغالية أو مغربية. وبالنسبة لهذه الأخيرة اعتمدت على المترجم منها. ملاحظتكم في محلها، هناك غياب شبه تام للمصادر العربية في إحالاتي. في هذه النقطة، أعترف بجهلي شبه الكامل للغة العربية، التي لم تكن لدي الشجاعة لتعلمها كما يجب.  لكنني يجب أن أتدبر أمري بالنسبة لعدة لغات أوربية مثل الإسبانية والبرتغالية والإيطالية والقشتالية والانجليزية. وهو أمر أيضا ليس من السهولة بمكان، لأنه يتطلب غالبا فك رموز المخطوطات، والتعود على هذه اللغات في وضعيتها القديمة المختلفة عن اللغة المستعملة حاليا. وفي الواقع، فإن أرشيفات البرتغال وإسبانيا ما تزال تخفي وثائق لم تستغل بعد، وأحيي هنا شجاعة أحمد بوشرب، الذي كان طالبا عندي بالرباط والذي فك طلاسم العديد من الوثائق بالأرشيف البرتغالي للقرن 16.

  • هل يمكن القول إنكم تأثرتم بروبرت ريكارد وسرتم على نهجه

في نظري، فإن المؤرخ الشهير روبرت ريكارد، كان مؤرخا رائعا جدا، غزير الإنتاج، وقد وصلت بعض النصوص التي حققها إلى يدي وأعانتني كثيرا. إلا أنني لم أتبعه بشكل أعمى. هو، مثل كل البشر، يمكن أن يكون أخطأ في بعض تأويلاته. وأساسا، لا يجب أن نداري واقع أنه كان منخرطا كلية في صف الباحثين والقادة في وقته، الفترة الاستعمارية. من الواضح أن حكمه كان متأثرا بالظرفية، وأن بعض تأويلاته خضعت للتوجيه. يجب أن نتعلم أن نضع  ذلك في الحسبان، بدون نبذ كل ما تركه من عمل مفيد.

  • كانت تجربة التعاون مع حميد التريكي مفيدة في مجال التغلب على صعاب المصادر العربية، لماذا لم تتكرر؟

قمت كما أشرت إليه أعلاه، بتجربة فريدة جد مثمرة من التعاون مع مؤرخ مغربي معرب، ولكنه أيضا متمكن من الفرنسية ومثقف، وهو حميد التريكي، وهو صديق ممتاز للغاية. كان أملي التمكن من توسيع وتمديد هذه الطريقة من العمل، وتمنيت أن تكون متبناة بشكل واسع، لأنني أومن كثيرا بالعمل الجماعي،  ذلك العمل الذي يدفع في كل وقت إلى المواجهة والحوار. طبقته في تلك الدراسة عن الجوائح، والتي كانت من  الدراسات الأصيلة، وبعد ذلك أيضا في الكتاب المدرسي الذي ولد ميتا والموجه للتلاميذ الشباب في الإعدادي. استفدت منها كثيرا ولكنها تجربة لم تستمر بسبب مغادرتي المغرب كما أشرت إليه.

  • هل راودتكم في يوم من الأيام فكرة كتابة رواية تاريخية:

لا لم أفكر أبدا في كتابة رواية تاريخية، ولن أكتبها أبدا لأنني متعلق بمطاردة الحقيقة التي تتخفى أو تتوارى خلف الأقنعة. لكل مهنته.

  • هل يمكن أن تلخصوا للقراء المغاربة خلاصة تجربتكم الموزعة على عشرات الكتب والمجلات، وأهم النتائج التي توصلتم إليها في مجال البحث في تاريخ المغرب الحديث؟

أنا آسف لأن الكثير من الأعمال التي ذكرت ليس من السهل الوصول إليها، فهي متفرقة في منشورات دورية ومجلات أو أعمال ندوات. في كتابي عن المغرب في القرن السادس عشر، أردت أن أقدم تركيبا يكون مفيدا اعتمادا على قسم من هذه الأبحاث، وأن أدعمه بإسهامات محترمة عن حكم أحمد المنصور وخلفائه، مما جد في مصادر منشورة مؤخرا بالبرتغال والمغرب: مثل أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب، ومذكرات جورج هنين، وصف ممالك المغرب. لكن لا يظهر أن هدفي قد تحقق تماما. ما زلت أقرأ تأكيدات خاطئة لبعض النقط التي اعتقدت أنني جددت النظر فيها. وأسوق هنا مثلا واحدا، وهو أن غزو السودان من لدن المنصور، لم يكن بهدف البحث عن اليد العاملة لمزارع قصب السكر، لأنها كانت تزرع من لدن فلاحين مغاربة بالرغم عنهم،  مما يفسر غضبهم الشديد وتخريبهم لها.

  • هل لديكم مشاريع حالية أو مستقبلية؟

ليست لدي مشاريع حاليا، لكن هذا الحوار، دفعني إلى استرجاع محطات مهمة من حياتي وتقديم حصيلة عن سنوات من البحث والدراسة، وربما التفكير في موضوع جديد، مثلا الاهتمام بالخسائر التي عرفتها البيئة منذ قرون بسبب أشكال الاقتصاد الهدام، مثل المناجم وصناعة السكر. ستكون طريقة أخرى لفهم بعض الظواهر مثل التصحر ببعض مناطق المغرب التي تم في أيامنا هذه اجتثاث أشجارها بشكل واسع.

  • أشكرك أستاذ روزنبرجي على سعة صدركم وعلى هذا الحوار الذي لا شك سيلقى صدى لدى القراء المغاربة وخاصة منهم المشتغلين بتاريخ المغرب، وأتمنى لكم الصحة والعافية والمزيد من التوفيق

بدوري أشكركم على هذه الفرصة التي أتاحت لي ربط الاتصال بالباحثين المغاربة، الذين أقدم لهم من خلالكم تحياتي ومتمنياتي الطيبة.

ROSEMBERGER ET AUTRES1

ROSEMBERGER ET AUTRES

2 تعليقات

  1. إبراهيم القادري بوتشيش

    أشكر الأستاذ عثمان المنصوري على إنجاز هذا الحوار مع المؤرخ الفرنسي روزنبرجي، وعلى طريقته “الصحفية” الذكية للنبش في مسار هذا المؤرخ، وتطورات مشاريعه البحثية. وحسبي أن المقال/ الحوار، أتاح للقارئ المزيد من التعرف على هذه الشخصية، وعلى إنتاجاتها التاريخية. وأقرّ شخصيا أنه رغم التقائي بالمؤرخ المنوه به في المغرب والبرتغال، واطلاعي على بعض إنتاجاته، فإنني لم أتمكن من قطف كل هذه المعطيات التي جاد بها المقال الحواري.
    وأحسب أن راصد الحوار في أجزائه الثلاثة يمكن أن يضع الأصبع على خمس ملاحظات أساسية:
    1- إن المؤرخ روزنبرجي يمثل شخصية المؤرخ المستقل الذي خرج عن سرب المؤرخين والكتاب الأجانب الذين انطلق معظمهم من تنظيرات ملغومة، ومؤطرة في سياق أدبيات ومرجعيات المؤسسة الاستعمارية، وبنزعة مركزية متعالية في تأثيث الخطاب التاريخي، لذلك شكّلت إنتاجاته تمردا منهجيا على المألوف في الكتابات الاستعمارية، بل جاءت مفيدة للتاريخ المغربي، حيث فتحت أوراشا جديدة، واستنهضت مغامرة التفكير في قضايا التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وفي مجال التغذية على الخصوص.
    2- يمثل روزنبرجي الباحث الذي يملك مشروعا ثقافيا حياتيا يتسم بالدينامية والاستمرارية، ويتماهى مع حصاد سنوات عمر بأكمله، مشروعا لا يعرف الانقطاع أو تحجزه شهوة المناصب الإدارية، بدأه منذ أن كان مدرسا في التعليم الثانوي، واستمر في التعليم الجامعي، ولا يزال ينجزه بإصرار رغم بلوغه من العمر عتيّا، وهو ما يتضح من تصريحه بأنه بدأ يفكر- بعد إجراء الحوار- في كتابة تاريخ بيئة المغرب، انطلاقا من الأبحاث التي أنجزها حول المناجم والكوارث والطبيعية والتغذية والمجاعات.
    3- مما يشدك في شخصية روزنبرجي- من خلال هذا الحوار- أنه يؤمن بالجهد الفردي رغم كونه يعيش في بيئة أوروبية تقوم بنياتها البحثية على المؤسسات، ولكن تصريحاته تثبت أن المؤسسات لا تحقق للباحث كل ما يطمح إليه، فلا بد من جهد فردي إضافي لتحقيق طموحات المؤرخ، إذ لا يفهم نفسية المؤرخ وطموحه إلا المؤرخ نفسه، وفي هذا الفهم والإدراك وتدعيمه بتعاون بيني ما يقود إلى نجاح المشروع.
    4- لقد استطاع روزنبرجي أن يخترق الخطوط الحمراء للتحقيب الذي وضعته المدارس التاريخية التقليدية، فارتحل بقلمه ما بين التاريخ القديم والوسيط والحديث، دون أن يفقد ذرة من الصرامة العلمية، أو يتيه بين دروب القرون والأزمنة، وهو بذلك يوجه رسالة غير مباشرة إلى المؤرخين بتجاوز التحقيب العقيم، وإعادة النظر للتاريخ في مداره الحضاري الممتد، بدل تقطيعه لشرائح قد تخل أحيانا بمنظومته الكلية، وتسيئ إلى اختطاطه النسقي الشمولي.
    5- مع تنويهنا بالمؤرخ روزنبرجي وما أسداه من خدمات علمية للتاريخ المغربي، فإننا نؤاخذه على ما ورد في حواره من أن الأساتذة المشارقة الذين أتوا للتدريس بالجامعة المغربية – بعد تعريب مادة التاريخ – كانوا على جهل بتاريخ المغرب. ويخيّل إلي أن هذا الحكم لا يخلو من تعسف وشطط في التعميم، إذ لو قرأ ما أنتجه بعض المشارقة في سبعينيات القرن الماضي حول تاريخ المغرب لتراجع عن حكمه. وبالمناسبة فلو كان روزنبرجي يعرف اللغة العربية لكان حجة لا ترد في تاريخ المغرب. لكن للأسف فإن عدم تمكّنه من هذه اللغة كما أقرّ بذلك في حواره، جعلته على مسافة ضوئية مما كتبه هؤلاء المشارقة، ناهيك عن عدم استفادته من الوثائق المغربية المكتوبة بالعربية، رغم استعانته أحيانا ببعض الباحثين المغاربة من أمثال حميد التريكي. بيد أن هذه الملاحظة الأخيرة لا تنقص من قيمته كمؤرخ ساهم بامتياز في رسم الخطوط الأولية للبحث التاريخي في مغرب ما بعد الاستقلال.

  2. عثمان المنصوري

    شكرا أسيدي ابراهيم على المتابعة، وعلى الملاحظات الوجيهة، وأود فقط أن أعقب علىالملاحظة الأخيرة، فروزنبرجي لم يعمم حكمه على الأساتذة المشارقة، ولكن على الارتجالية الظرفية التي دفعت المسؤولين آنذاك إلى استقدام أساتذة مشارقة من السودان ومصر بدون أن يكون لهم إلمام كاف بتاريخ المغرب ليدرسوا في استكمال الدروس، وقد كنت شاهدا على ذلك، وكان بعض الطلبة يتندرون على هؤلاء الأساتذة ويسألونهم عن مصطلحات مثل المخزن وبلاد السيبة وبعض الشخصيات التاريخية ويحرجونهم، ثم قاطع الجميع هؤلاء الأساتذة واضطرت إدارة كلية الآداب بالرباط أن تعيد بعض الأساتذة المغاربة، ومنهم الأستاذ بوطالب وجرمان عياش. أما بعد هذه السنة فقد استقبلت الجامعة المغربية أساتذة كبارا تخرج عليهم أساتذة أكفاء ومنهم الأستاذ ابراهيم القادري بوتشيش. هذا شيء وذاك شيء آخر. ملاحظة أخرى وهي النقص الذي عرفته أعمال روزنبرجي، الذي لا يعرف اللغة العربية، ولا يعتمد إلا لماما على المصادر العربية، فمنذ السبعينيات تخرج العديد من الباحثين المغاربة من الجامعات المغربية وأنجزوا الكثير من الأبحاث التي تعد بالمئات، ولا يدري روزنبرجي عنها شيئا، كما أن أعماله الكثيرة لم تصل إليهم. ولعل ذلك ما حذا بي إلى مطالبته بهذا الحوار، لتجديد الصلة بينه وبين الباحثين المغاربة والتعريف به لدى جلهم ممن ولدوا بعد ذلك التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .