Tuesday , September 25 2018
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / عثمان المنصوري، صدى الحملة النابليونية في المغرب

تعليق واحد

  1. أود في البداية أن أشكر الجمعية المغربية للبحث التاريخي على هذه البادرة المحمودة التي تتيح التفاعل بين الكاتب وقرائه ، وتساهم في خلق دينامية نقاشية وتحفيزية على التواصل العلمي.
    ما أقدمه بصدد مقال أخينا الأستاذ الفاضل عثمان المنصوري رئيس الجمعية المنوه بها ليس قراءة نقدية ، بل مجرد تعليقات بسيطة ، أو انطباعات تفرضها طبيعة الخانة المخصصة للتعليقات في هذا الموقع الإلكتروني .
    لقد قدم الأخ عثمان المنصوري مقالا في غاية الأهمية ، وفتح ورشا جديدا في مسار العلاقات التاريخية المصرية ، واختار لها زاوية دقيقة لم يسبر غورها في الدراسات السابقة – حسب ما أعلم – بحكم طبيعة عدم تخصصي في حقبة التاريخ الحديث.
    إنه مقال يتيح للمتلقي بامتياز لذة في النص ، وتفاعلا مع الحجاج والقرائن ، ومتعة في التماسك اللغوي . ويجد القارئ في كاتبه باحثا في التاريخ ، ومحققا لنصوص ورسائل تكتنفها الأخطاء اللغوية ، وتسطو على مفرداتها الدارجة المغربية المحلية التي نقلها مترجم الرسائل البرتغالية ونص نداء نابليون . وبفعل غياب هذه المصطلحات الدارجة عن قاموس التداول في التاريخ الراهن ، فإن الباحث اجتهد في شرحها ووضعها في سياقها التاريخي ، مع براعة في تفكيك النسيج الداخلي للوثائق المستثمرة في البحث ، واستنطاق مضمراتها ، مما جعله يزاوج بين مهمتي التحقيق والدراسة في ذات الآن .
    يحمد للباحث أيضا تبنيه لمبدأ التكامل بين المصادر المغربية – على قلتها وعلّتها- وبين الأرشيف البرتغالي ، ولو أنه كان بإمكانه أن يصل إلى قمة هذا التكامل المصدري لو نبش في الأرشيف الفرنسي ، خاصة أن فرنسا معنية في المقام الأول لكون بونابرت هو الفاعل الأساسي ، فضلا عن أن الأرشيف الفرنسي يجسد بالنسبة للإشكالية التي يعالجها الموضوع أرشيفا ” ملزما ” لأنه يكشف عن صوت الآخر ، مقابل صوت ” التحالف ” المغربي – البرتغالي الذي نلمسه في ثنايا البحث بوضوح . فحضور وثائق ” المدعى عليه ” والمتمثل في الوثائق النابوليونية الموجودة بالخزائن الفرنسية وغيرها يزيد من تعميق معول البحث في مصادر الحدث ، ويجعل هذا الأخير يبوح بكل ما لديه من معطيات تاريخية إضافية . كما أتساءل أيضا عن دور الأرشيف المصري ، وماذا يمكن أن يقدمه من إضاءات جديدة للموضوع ؟ هل يكفي الاعتماد على كتابات الجبرتي رغم أهميتها ومزامنتها للحدث؟ مجرد أسئلة أظن أن الباحث اللامع المنصوري قد سبقني إلى طرحها ، وله إجابات وقناعات تجعل السؤال مولدا لملفات بحثية جديدة .
    وفي جانب الدراسات البرتغالية ، يمكن لكتاب المؤرخة البرتغالية Eva Maria Von Kemnitz ” البرتغال وبلاد المغارب خلال القرنين 18 و 19 ” أن يشكل رافدا أساسيا للمزيد من إثراء البحث ، مع التنويه بأن هذا المرجع لم يصدر إلا سنة 2010 ، أي بعد 8 سنوات من صدور مقال الأستاذ المنصوري ، وهو ما أثبته الباحث نفسه في مقال له بموقع رباط الكتب ، مما يشكل حافزا على المراجعة وإعادة التقييم. ( هل بالإمكان أن نعيد نشر مقال سبق نشره في ” طبعة ثانية منقحة ومزيدة ” ؟ )…سؤال مطروح للنقاش ، وإلا ما الفائدة العلمية من إعادة قراءة ما هو منشور ؟
    أفلح صاحب المقال أيضا في تشخيص الوقع الذي خلفه هذا الحدث البارز في مسار التاريخ المتوسطي في نفسية المغاربة انطلاقا من النصوص المغربية والوثائق البرتغالية . لكن بقيت منطقة رمادية لم تتبين لي معالمها بوضوح . فإذا كان الباحث قد كشف بعمق واقتدار عن موقف المخزن المغربي وتفاعله الدقيق مع الحدث ، ومن ثم هندسة علاقته وشراكاته السياسية مع أوروبا وفق المتغيرات والنواظم الجديدة التي خلفتها حملة بونابرت ، دون تجاوز سقف سياسة الاحتراز التي كانت الخيط الموجه لسلوك الدولة المغربية آنذاك، فإن الصدى الذي خلفته هذه الحملة في الرأي العام المغربي يشكل بياضا واضحا في البحث ، ويترك أسئلة معلقة وعلامات استفهام من قبيل : ما هو موقف العلماء؟ ما هي ردود فعل الزوايا والصلحاء ؟ وما هي تجليات الحدث على مختلف الشرائح الاجتماعية الأخرى من الاحتلال الفرنسي لأرض الكنانة؟
    صحيح أن الباحث أورد اهتمام الحجاج المغاربة بنقل أنباء الحملة وتباشير هزيمة نابليون ، كما أورد على لسان الوزير السلاوي فرحة المغاربة بتلك الهزيمه ، لكن الأمر يحتاج إلى كشف شمولي عن تفاعل ضمير الأمة الجمعي مع هذا الحدث الذي يشكل جزءا من بنية الذهنية المغربية- الإسلامية التي تمتح وجودها من ثنائية دار الإسلام ودار الحرب ، بعيدا عن حسابات لعبة العلاقات الدولية ونظرية تحصين المصالح الحيوية والاستراتيجية للمخزن ، وهو ما قد تسمح به كتب النوازل والرحلات والمتون الشعرية وأدب الملحون وغيرها من المظان الدفينة التي تزيح الغشاوة عما سكتت عنه الوثائق المخزنية ، خاصة أن مثل هذا الحدث عادة ما يولّد لدى الرأي العام المسلم مواقف من التضامن والتعاطف الذي قد يصل أحيانا إلى لبس عباءة الجهاد.
    هذه بعض الانطباعات السريعة التي عنّت لي وأنا اقرأ بلذة ومتعة كبيرة هذا المقال القيّم الذي يعد دون مدافع إضافة نوعية للبحث في تاريخ المجال المتوسطي ، ويؤسس لحلقة جديدة من حلقات التلاقح التاريخي بين المغرب ومصر ، أتمنى أن تتبعه أبحاث أخرى في نفس قامة هذا البحث .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .