Saturday , August 24 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري (الجزء الأول)

المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي مسار في حوار، إنجاز عثمان المنصوري (الجزء الأول)

المؤرخ برنار روزنبرجي والأستاذ عثمان المنصوري

المؤرخ برنار روزنبرجي والأستاذ عثمان المنصوري

المؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي

مسار في حوار

 إنجاز عثمان المنصوري

الجزء الأول 

ليس من السهل التعريف بالأستاذ والمؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي في بضع جمل أو فقرات، فهو علامة بارزة من علامات البحث التاريخي المغربي، وخاصة في الفترة الحديثة، كما أنه عاصر بدايات نشأة الجامعة المغربية بعد الاستقلال، والجهود التي بذلت من أجل تحديث مناهج وبرامج تعليم التاريخ والجغرافية في التعليم الثانوي بالمغرب، وطبع البحث التاريخي ببصمات قوية، وخلال مراحل متعددة من حياته في المغرب وفرنسا، وله طلبة وأصدقاء كثر في المغرب، الذي يحتفظ عنه بالكثير من الذكريات.  ومنذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، اضطر إلى العودة إلى فرنسا، بعد أن تم تعريب تدريس التاريخ بالجامعة المغربية، وتخرجت بعد ذلك أجيال من المؤرخين والباحثين الذين لا يعرفون عنه الشيء الكثير، وخاصة من الباحثين الذين لم يختاروا تخصص الفترة الحديثة. ومنذ شهور جمعني بالأستاذ روزنبرجي لقاء في ندوة دولية بمدينة مرطولا بالبرتغال، وطلبت منه حوارا يلتقي فيه مع الباحثين المغاربة، ويصل الرحم بمعارفه منهم، ويعرف الباقين على بعض مراحل حياته الخاصة والمهنية، فقبل مشكورا، وكان هذا الحوار:

  •  أستاذ برنار روزنبرجي، يسرني أن أرحب بكم في موقع الجمعية المغربية للبحث التاريخي على الأنترنيت، وهي الجمعية التي تأسست بعد مغادرتكم للمغرب ببضع سنوات، والتي تضم في عضويتها عددا هاما من المؤرخين المغاربة على اختلاف تخصصاتهم، وهي فرصة للحديث إليهم وإلى عموم القراء الذين لا تصلكم إنتاجاتهم بالعربية، كما لا تصلهم معظم إنتاجاتكم بالفرنسية.

قد يستغرب البعض كيف أن مؤرخا فرنسيا، غير متمكن من العربية، تمكن من كتابة هذا الكم عن تاريخ المغرب. لذلك سيكون من المفيد أن أتحدث عن الأسباب التي جعلت ذلك ممكنا.

  • حبذا لو انطلقتم من البدايات الأولى .

حسنا. ولدت في شهر مارس من سنة 1934بباريس، وكان والديَّ من أصول جد متواضعة، كان أبي من أسرة كبيرة العدد، تشتغل في الصناعة بشرق فرنسا، بينما كانت أمي من أسرة قروية بالشمال. ترعرعت من سنة 1939 إلى سنة 1945 في ظل سنوات الحرب العالمية الثانية العصيبة. وأول سنة دراسية لي كانت سنة 1939-1940، وتمت في قرية صغيرة بمنطقة بيكاردي (Picardie)، ولم تكتمل بسبب الغزو الألماني. وتابعت دراستي الابتدائية بإحدى المدن بالضواحي الباريسة. وبالنظر إلى نتائجي المشجعة، فقد حث المدير والديَّ على تسجيلي بالثانوي في أكتوبر 1944، بعد تحرير باريس. وقد تابعت دراستي الثانوية إلى غاية يونيو 1951، التي حصلت فيها على الباكلوريا. بعد ذلك التحقت بثانوية شارلمان ذات السمعة الطيبة، ولكن نتائجي كانت متوسطة. وفي السنة التالية حاولت متابعة الدراسة في فصل إعدادي بثانوية هنري الرابع، مع تسجيلي في نفس الوقت بالسوربون في أقسام التمهيد للإجازة، وبعد ذلك بدأت الدراسة من أجل الإجازة في التاريخ، ثم أكملتها في استراسبورغ. كنت محظوظا بالتعلم هناك على أساتذة من مستوى رفيع، وخاصة كلود كاهين، الذي كان في ذلك الوقت متخصصا لا يضاهى في العالم الإسلامي. وبعد أن أنجزت بحث  الإجازة سنة 1956، عن الصناعات في بلد بيتش (Bitche) (بالموزيل Moselle) مهد عائلتي من جهة الأب، تقدمت لمباراة التبريز ونجحت بصعوبة سنة 1957.

  •  ماذا عن انتقالكم إلى المغرب؟

كان موضوع الساعة آنذاك هو حرب الجزائر، وكنت متخوفا من التعيين هناك في ظرفية صعبة. من حسن حظي، أن المغرب الذي أصبح مستقلا، كان يرغب في توظيف أساتذة بسبب مغادرة عدد كبير منهم للمغرب في تلك الفترة. تم قبول ترشيحي، وابتسم لي الحظ ثانية بتعييني ليس في ثانوية للبعثة الفرنسية، ولكن في ثانوية تابعة لوزارة التربية الوطنية المغربية، وهي ثانوية محمد الخامس بمراكش، التي كانت تسمى سابقا بالإعدادية الإسلامية ، والتي وصلت إليها في أكتوبر 1957.

  • هل وجدتم صعوبات في التكيف مع هذا العالم الجديد بالنسبة لكم؟

لا، فقد وجدنا في استقبالنا بعض الأصدقاء الذين ظلوا في المغرب بعد تغير الأوضاع، وساعدونا في خطواتنا الأولى. كنا مدرسين شبابا قادمين من فرنسا، وكان عددنا لا بأس به، ومعظمنا يحفزه فضول لاكتشاف هذا العالم الجديد. وهكذا، ومع أول عطلة ربيع، حشرنا أنفسنا نحن الأربعة في سيارة رونو4، اشتراها أحد الزملاء. وقمنا برحلة في الجنوب إلى غاية ميدلت، وعدنا عبر الأطلس المتوسط.  وقد تعرفت سريعا على شابة أستاذة للإسبانية بثانوية البعثة، وهي ابنة أستاذين، وكانت ترغب في العودة إلى مسقط رأسها بفرنسا، لكننا تزوجنا في شتنبر 1958 وعدنا إلى مراكش.

  •  كيف كانت ظروف العمل آنذاك؟

كان علي أن أدرس الفرنسية لأطفال مغاربة، وفق برنامج ظل هو نفسه برنامج سنوات الحماية. وكان الأمر يستوجب أن نكون واضحين وبسطاء، وهو شيء صعب بالنسبة لمبتدئ مثلي، (ولتعلم أننا لم يكن لنا أي تكوين بيداغوجي آنذاك). بقيت في هذه المهمة إلى أكتوبر 1959، حيث كان علي، بسبب وضعية الحرب في الجزائر، أن أؤدي خدمتي العسكرية، لمدة سنتين ، وتم ذلك في عين المكان لحسن الحظ.

  • هل كانتا سنتين ضائعتين؟

 ليس تماما، إذا أخذنا في الاعتبار أنني اغتنمت الإجازات لزيارة الجبل جنوب مراكش، الذي كان في هذه الفترة خاليا من السكان، ولمعاينة حياة السكان عن قرب. وبعد إنهائي للخدمة العسكرية، تم تعييني في أكتوبر سنة 1961 في ثانوية ابن عباد بمراكش، ثانوية مانجان سابقا، وكانت توجد فيها أقسام للذكور وأخرى للإناث، مما يعتبر تغييرا ملحوظا. وكانت مسألة البرامج قد بدأت تناقش بجدية، إلا أنه لم تدخل عليها سوى تغييرات طفيفة. كان الشخص المكلف في الوزارة بتعليم التاريخ والجغرافية لا يقوم بنشاط ملحوظ في هذا المجال.

  •  هل انشغلتم بالتدريس عن البحث؟

          ليس تماما، بما أنني تعرفت على بعض الأركيولوجيين في العصر القديم الكلاسيكي، أصدقاء زوجتي، رغبت في الاشتغال في الأركيولوجيا الإسلامية، حيث كل شيء يجب أن يؤسس من البداية. وحصلت في أكتوبر 1962 على إلحاق بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط، وهو آنذاك بنية بدون إمكانيات ولا برنامج، ولكنني كنت فيه متفرغا تقريبا. وخلال سنة، تخللتها مصاعب مختلفة، استطعت أن أكتسب معرفة بالأرض، من خلال قراءة بعض المصادر مثل البكري والإدريسي إلخ. لكن عملي بالمعهد لم يستمر طويلا، فقد عدنا إلى مراكش سنة 1963، لأسباب مختلفة، وخاصة بسبب مشاكل صحية تعرضت لها ابنتي الثانية ناتجة عن الحساسية،  واستعدت منصبي بثانوية ابن عباد. وخلال صيف 1964، قمت بتنقيبات بوليلي في الحي الأسفل، قرب واد خمان، لكن نتائجها لم تنشر للأسف، لأنني لم أقتنع بما بذلته من جهد فيها.  ولكنني احتفظت مع ذلك من هذه التجربة بشغف وذوق قويين للأركيولوجيا التي كان يظهر لي أن ما تقدمه ضروري، بسبب ندرة ما كتب عن القرون القديمة.

  • زاوجتم إذن بين التدريس والبحث في الميدان

          في الواقع كنت أعمل على واجهات متعددة، إذ سرعان ما انضممت إلى فريق عمل مدعم من ريموند براللي (Raymond Prallet)، وهو فرنسي، دافع في عين المكان عن فكرة استقلال المغرب،  وبذلك كان يحظى بثقة السلطات المغربية. كان من جهة، يسعى جاهدا لتعديل برامج التاريخ، ومن جهة ثانية، لإنشاء أدوات بيداغوجية لاستعمال الأساتذة الذين سيتكلفون بتطبيقها. يجب التأكيد هنا على أن معظم هؤلاء الأساتذة كانوا في الواقع متروكين لأنفسهم، سواء كانوا متعاونين فرنسيين أو شبانا مغاربة مبتدئين. لم تكن توجد غالبا مكتبات في الأماكن التي كان عليهم التدريس فيها. ومن أجل هذا العمل الذي لا بد منه، ومن أجل الحضور في اجتماعات كانت تنعقد بالرباط أو الدارالبيضاء، استفدت من تخفيف بضع ساعات من العمل. وكان ذلك مهما جدا، وتأكد لي من خلال هذا العمل مدى فائدة الدروس التي تلقيتها من كلود كاهين .

في نفس الوقت لم تنقطع علاقتي بالبحث، وعملت على نشر نتائج ما تعرفت عليه في الميدان، وهكذا استقبلت مجلة هسبريس –تمودا سنة 1964 مقالا لي حول منجم جل عوام. واصلت أبحاثي عن المناجم القديمة، لأنه ظهر لي أنها لعبت دورا هاما في اقتصاد البلاد، حيث قمت بتركيب معلومات  المصادر القديمة وتقارير الجيولوجيين والمهندسين، مع خرجات إلى الميدان. أثمر ذلك أيضا دراسة ظهرت في عددين من مجلة جغرافية المغرب سنة 1970، مع خريطة للمواقع المعروفة، وصدر لي في نفس السنة مقال بمجلة هسبريس-تمودا عن منجم تامدولت بجنوب المغرب. وكانت نفس المجلة قد نشرت لي مقالا سنة 1967 عن مرسى كَوز القديم الذي زرت موقعه أيضا. كنت أرغب من ذلك فتح مسالك جديدة للتاريخ الاقتصادي، باستعمال مصادر غير كلاسيكية.

  • ركزتم في بداياتكم على الميدان، ولكنكم شاركتم بفعالية في الكتاب الجماعي عن تاريخ المغرب، وتركتم بصماتكم قوية فيه.

سمح لنا العمل الذي قمنا به في لجنتنا بإرسال جذاذات بانتظام إلى الإعداديات والثانويات، وكانت مخصصة للأساتذة ومعدة للنشر. وفي سنة 1967، فكرنا في إنجاز كتاب عن تاريخ المغرب، بإدارة جان برينيون (المتوفى مؤخرا)، وبتعاون مع عبد العزيز أمين، وإبراهيم بوطالب، وكَي مارتيني وأنا نفسي. كان ريمون برالي يريد أن يعهد بالتحرير لفريق من ثلاثة فرنسيين وثلاثة مغاربة، ولكن عبد الله العروي الذي تم الاتصال به رفض أن يكون طرفا فيه.

اشتغلت في هذا الكتاب على المواد المتعلقة بما قبل التاريخ والتاريخ القديم، والأسلمة إلى مجيء المرابطين، وعلى القرن السادس عشر السعدي، وهو ما يمثل 120 صفحة من 400 صفحة. وأعددت جداول وخرائط كثيرة رسمتها كلود برينيون. حاولنا في هذا الكتاب قدر الإمكان، تجديد النظرة إلى الماضي المغربي. للأسف لم يتمكن ريموند برالي من رؤية ثمار جهوده، لأنه تعرض مع معظم أفراد أسرته لموت تراجيدي في حادثة سير. كان من الضروري الاستمرار، أخذت أنا وجان برينيون على عاتقنا المتابعة، سواء في عمل التفتيش أو إنجاز الجذاذات والكتب المدرسية.

AHISTOIRE-DU-MAROC

… يتبع في الجزء الثاني  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .