Thursday , November 14 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / إبراهيم القادري بوتشيش، وثائق ويكيليكس: حين يبوح الأرشيف بأسراره

إبراهيم القادري بوتشيش، وثائق ويكيليكس: حين يبوح الأرشيف بأسراره

KADIRI

وثائق ويكيليكس:

حين يبوح الأرشيف بأسراره

                                                             إبراهيم القادري بوتشيش

أتاحت الثورة الرقمية حضورا متميزا  للوثيقة الافتراضية التي غدت آلية من آليات اشتغال مؤرخ التاريخ الراهن، وإن كان هذا القول لا يعني ان الوثيقة الرقمية أصبحت بديلا عن الوثيقة المادية التقليدية، ولكنها تسمح بإلقاء مزيد من الضوء على قضايا حساسة، كما أنها تسمح  بإعادة استنطاق الوثيقة المادية التقليدية  ومتابعتها، والكشف عن الخبايا التي لم  تبح بها.

في هذا السياق تندرج وثائق ويكيليكس التي تعد وليدة الثورة الرقمية، حيث أصبحت مع انفجار تكنولوجيا المعلومات أرشيفا معلوماتيا جديدا، جعلت البعض يصفها بأنها (( زلزال وثائقي رهيب)). ورغم طابعها السياسي المهيمن، فإنها ستساهم دون شك في تطوير البحث التاريخي من خلال اطلاع  المؤرخين على أسرار العلاقات الدبلوماسية الراهنة.

وقبل أن أعرض لبعض الملفات التي كشفت أسرارها لمؤرخ التاريخ الراهن، سأسعى لتبيان أهميتها كجزء من بنية المتغيرات العالمية التي ما فتئت تتجدر بفعل العولمة والثورة التكنولوجية، والتي يصب معظمها في مصلحة البحث التاريخي.

فعلى مستوى القياس الزمني، جرت العادة أن الدول لا تفصح عن وثائقها إلا بعد مرور 25 إلى 30 سنة أو اكثر في قوانين بعض الدول، في حين أن وثائق ويكيليكس تجاوزت هذا التحصين الزمني للوثيقة، وحطمت حاجز الانتظارية التي كانت تستغرق عقودا من السنين، وبالتالي فإنها تسدي خدمة طيبة لمؤرخ التاريخ الراهن الذي يصبح بإمكانه التأريخ باللحظة، ويقف على الحقائق في حياة بعض القيادات السياسية ، وليس بعد وفاتهم كما كان شائعا ومألوفا.

وعلى مستوى المصدر، فإن وثائق ويكيليكس دكّت قلعة الأرشيفات المركزية التي كانت المصدر المالك الأوحد لتلك الوثائق، بالنظر إلى بنيتها الهرمية المغلقة التي تجعل الاطلاع على بعضها ضربا من المستحيل. وبذلك وجّه موقع ويكيليكس ضربة قوية لسلطة الاحتكار التي ظلت من نصيب النخبة والقوى التقليدية المسيطرة،  ووضعت  بعض الوثائق الدبلوماسية رهن إشارة الجميع في عالم أفقي شبكي مفتوح ، تنساب فيه المعلومات وضمنها الوثائق – الصامتة والمتحركة- إلى كل المؤرخين والمهتمين بدراسة المتغيرات الدولية ، مما  يجعل عملية تحرير مركز إنتاج الوثائق من الاحتكار والتحكم أمرا ممكنا، ويسمح بتوسيع مساحة تداولها ، وييسّر على المؤرخ  مهمة صيانة ذاكرة التاريخ العالمي.

أما على المستوى المكاني، فتسريبات وثائق ويكيليكس أتاحت تداول الوثائق الدبلوماسية عبر الشبكة العنكبوتية، ممّا يسمح للمؤرخ بالدخول إلى أرشيفاتها  دون تكلفة التنقل، وتساعده على عدم الاكتفاء بالاستشهاد بما سبق أن أورده باحثون آخرون ساعدهم الحظ في الاطلاع على الوثائق من مراكز كانت ممنوعة التداول، وبالتالي فإن وثائق ويكيليكس تشكل تحولا نوعيا نحو حق الوصول إلى المعلومات في مكان واسع فسيح، هو عالم الحاسوب.

وأخيرا على مستوى تحرير الوثائق الدبلوماسية من السرية، فإن وثائق ويكيليكس تشكل انتقالا من مرحلة الحجب والسرية والكتمان، إلى مرحلة الشفافية  واستجلاء الحقائق وتشكيل الوعي التاريخي، ومعرفة مصائر العالم. وصار في إمكان كل من يحسن لغة العالم الرقمي أن ينفذ إلى أعماق الوثائق والتقارير السرية التي أنتجها السفراء والمتجسسون وغيرهم ، وبذلك تكون وثائق ويكيليكس قد  تمكنت من اختراق سرية المراسلات الدبلوماسية لتجعلها في متناول كل الباحثين.

أما بخصوص أهمية وثائق ويكيليكس في إظهار الحقائق التي يتوق مؤرخ التاريخ الراهن إلى معرفتها في بنائه التاريخي ، فهي متعددة الأوجه ، ويصعب حصرها في مقال ضيق، ويكفي القول أنها – بما تحمله من معلومات خطيرة – هددت بعض زعماء العالم ، وكشفت عورات بعض القيادات السياسية والحزبية والنقابية والعسكرية، وأثبتت وجها الآخر غير المعلن، وتورّطها ضد مصالح شعوبها. كما أبانت عن تحالف رجال السياسة مع  الأثرياء ورجال الاعمال ومافيات السلاح والصفقات الكبرى، وفضحت التقارير سلوكات بعض القادة وكيفية التعامل معهم أثناء زيارتهم لواشنطن.

فعلى سبيل المثال تفصح قراءة العلاقات العربية – الإيرانية من خلال وثائق ويكيليكس صورة من إعلان حرب من جانب بعض الأنظمة العربية على إيران.

وبخصوص ثورات الربيع العربي وما أفرزه من تغيرات في نظم الحكم وسقوط بعض الأنظمة العربية، تشكل وثائق ويكيليكس مادة تبوح بأسرار لم يكشف عنها في العلن، ولا غرو فإن بعض البرقيات التي كتبها السفير الأمريكي بتونس Robert Godec   تكشف عن الإحباط واليأس الذي أصيبت به الإدارة الأمريكية ، وانقطاع أملها في أي إصلاح سياسي يقوم به نظام ابن علي الفاسد، بحيث يستنتج قارئ تلك البرقيات أن هذا النظام بات وشيك السقوط ، وهو ما تؤكده عبارة وردت في إحدى برقيات السفارة الأمريكية بتونس على الشكل التالي: (( في النهاية ، فإن التغييرات الجدية هنا يجب أن تنتظر رحيل بن علي لكي تحدث)).

نفس القول ينسحب على البرقيات الدبلوماسية المرسلة من السفارة الأمريكية بالقاهرة والتي تحوي إدانات حقيقية لنظام حسني مبارك، وتؤكد أن رحيل هذا النظام أصبح مسألة وقت فقط، وأن ثمة تصورات تحبك لسيناريو خلافته.

ومجمل القول أن وثائق ويكيليكس تشكل فتحا جديدا في فضاء الأرشيف الوثائقي للتاريخ الراهن،  بما أتاحته من تكسير مركزية مصدر الوثيقة الدبلوماسية، وتحكم النخبة المسيطرة في تمريرها وظهورها، وإمكانية الاطلاع على ما كان يدخل في مربع الممنوعات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .