Tuesday , October 20 2020
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الموقع / قراءة في كتاب “الأوبة والتاريخ، المرض والقوة والإمبريالية”، تأليف شلدون واتس (3/2)، من إنجاز الأستاذ الحسن الغرايب.

قراءة في كتاب “الأوبة والتاريخ، المرض والقوة والإمبريالية”، تأليف شلدون واتس (3/2)، من إنجاز الأستاذ الحسن الغرايب.

قراءة في كتاب “الأوبة والتاريخ. المرض والقوة والإمبريالية”

تأليف شلدون واتس(2/3)

 د. الحسن الغرايب

 

     لم يسلم العالم بأسره من أوبئة فتاكة وحتى المناطق التي اعتبرت بمنأى عن ذلك أصبحت بؤرة لنشر الوباء. ناقش شلدون في الفصل الثاني الجذام، باعتباره وباء قادرا على الإجهاز على جنود الإمبراطورية البريطانية في الهند، ومن هناك سينتقل عبر الحركية الدائمة للوافدين نحو بريطانيا، مما شكل خطرا على ساكنة المدن ذات الكثافة الكبرى. أمام هذا الخطر الداهم طلبت السلطات دعم الكنيسة للمساعدة في القيام بما تستلزمه مثل هذه الوضعية، وباعتبار تعامل القساوسة مع الوباء قبلا، فإن الرجوع إليهم قد يخفف من وطأة الانتشار. لم تكن عملية الاستعانة بالقساوسة إلا حجة لأخذ المشروعية لعزل المصابين بالاستناد على مضامين سفر اللاويين وإصحاحاته الثلاثة (44-46) لطرد المصاب “خارج الجماعة”. كان مفهوم الطرد بالنسبة للكاهن كما بالنسبة للسياسي وسيلة فعالة للقضاء على الجذام، أجبرت قوى الاستعمار الإنجليزي في الهند السكان المصابين على الخروج من مدنهم، وهو نفس ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية حين عزلت “بخشونة المجذومين في جزيرة هاواي في وسط المحيط الهادي”(ص. 150).

    العزل العنيف هو ما أقدم عليه ممثلو قوى الاستعمار في برلين عام 1897 بالإجماع في مؤتمرهم الذي تضمن أيضا تقسيم شعوب جنوب الصحراء بين القوى الاستعمارية. نفس النظرة للثقافة المحلية المرتبطة بالمرض عامة والجذام خاصة هي التي حكمت التصور الخاص في التعامل مع مرضى المستعمرات، مما جعل أمر الاحتياج إلى العلاج في مرتبة ثانوية والاعتماد فقط على المواساة (ص. 153). لم تعرف المناطق المدارية الجذام إلا بعد وقوعها تحت السيطرة الاستعمارية، وفي أمريكا اعتبر الأطباء البيض أن الجذام مرض السود.

     بالعودة للعصور الوسطى يتأكد بشكل جلي هيمنة الموقف الديني في التعامل مع المرض، وقد أثر هذا حتى على العلاقات الناشئة بين غاليا ولومبارديا بعد إذعانها، ونتيجة لهذه الغلبة حذر البابا الأسرة المالكة لغاليا من “أن علاقات الأسرة الحاكمة التي قويت بالمصاهرة (…) ربما تدخل الجذام الوراثي إلى العرق الفرانكي” (ص 157) أي أمراء غاليا، وفي هذا التصور موقف ديني بارز عضدته السلوكات السابقة في التعامل مع المرضى، وقد تأثر التعامل العنيف مع المرض “بصورة كبيرة بتفسيرات الكهنة للتعاليم اليهودية-المسيحية”(ص. 160)، مما حتم عملية الإقصاء الناتجة عن خطايا المرضى تجاه الإله كما هو في منطق القساوسة.

    اضطر المجتمع تحت وطأة التعاليم الدينية السائدة بالغرب إلى مطاردة المجذومين، وبذلك تم خلق “أداة لاتران  Latran لتحكم اجتماعي” ذات ارتباط وثيق بالتراتبية الدينية-السياسية. أدى هذا الموقف المسنود كذلك من مجمع (1179) إلى ربط المرض بالشذوذ الجنسي مما حتم على الكنيسة أخذ موقف صارم من المرضى وصلت حد دفنهم بأراضي الكنيسة بمعزل عن المقابر العادية وحتى القداسات لم يسمح لهم بإقامتها إلا في أماكن عزلهم (ص. 171). لكن مع ذلك لم يفقد الأطباء دورهم في المحاكمات التي أجريت للمجذومين الذين برأت ساحتهم بفضل رأيهم في مسألة خلو الشخص المُحاكَم من المرض أو كونه حاملا له (ص. 165)، لكن هذه التحول اعترضه الصراع بين “حلاقي الصحة” الذين كانوا معينين كمحلفين في هذه المحاكمات “لمعرفتهم” بالجذام وحامليه، الشيء الذي جعل في مجتمعات أوروبية الرجوع إلى الاستعانة بهم أساسيا.

   وهكذا، أقيمت معازل كثيرة في أسقفية باريس بلغ عددها 43 معزلا ونفس الشيء بإنجلترا وسكوتلندا حيث بلغ عددها 220 معزلا، وهذا يعطي دليلا على انفجار في عدد المصابين بالمرض، وأصبح بالتالي جائحة عابرة للبلدان دون استثناء. أسهمت التطورات المتسارعة بالمجتمعات الناهضة إلى تقليص مساحات الغابات وتوسيع المبادلات مما خلق دينامية جديدة تتحكم فيها الطبقات الناهضة التواقة للتحكم في مسارات التجارة، وهو ما سهل تغير الوجه المألوف لمجالات سابقة.

   بقي الصراع قائما بين توجه كهنوتي محكوم بابتكار الكنيسة لشكل جديد ومثير قائم على نظام السوق، وذلك ببناء مستشفيات خاصة بالمجذومين باعتباره عملا مليئا بالحسنات (ص. 172)، وتوجه من نفس الجماعة الدينية يرى في المجذومين واليهود جنسا واحدا وألزموهم بارتداء “ملابس خاصة حتى يراهم العابرون في نفس الوقت ليتجنبوا العدوى”(ص. 174) وهو قرار ضمن مرسوم مجمع لاتران Latran الرابع عام 1215 الذي يراد به تنحية اليهود لكونهم أكثر من يرتاد المؤسسات العلمية مما يجعلهم قادرين على الحصول “على الوظائف الجديدة المبتكرة في الأسر الملكية والبيروقراطية البابوية”(ص. 174) وهو ما دفع إلى تبني الاستبعاد لهم مثل المجذومين ودفعهم للاعتناء بهم لأنهم من طينتهم وبذلك “مثل ممارسو الطب من الأطباء اليهود حوالي ثلث المجتمع الطبي المتعلم”(ص. 175) آنذاك. بقي الوباء غائبا في الرسومات الكنسية، ولم يكن الأشخاص المرسومين أبدا بواقعية كبيرة بالكاتدرائيات يمثلون أية شخصية مصابة. واعتبارا للتطور الاقتصادي بأوروبا المسيحية والاعتماد المتزايد على النقد في التداول، فقد اعتمد في تحديد الحالة المرضية للأشخاص على وضعيتهم الاقتصادية أي انتماءاتهم الطبقية مما يسهل أمر تخصيص معازل لهم تليق بمستواهم، وخدماتها المدفوعة قبلا وبعد الوفاة هي الوسيلة الوحيدة لاستمرارية خدمات رفيعة لمرض ذوي ثروة ملحوظة. وفي نفس الوقت أمرت بعض مستشفيات علاج المجذومين خاصة في منطقة سات ألبان Saint Albin نزلاءها قبل وفاتهم بالتنازل عن ثلثي ثروتهم للمشفى التابع للكنيسة أصلا. هذه الوضعية تبين أن المرضى اليسورين كانوا في نظر رجال الدين مصدرا للمال، وحتى أولئك الذين كانت لهم ثروات منقولة اعتبروا سلعة تنازع حولها رؤساء الأبرشيات. في ظل تعامل عنيف مشفوع بمراسيم سواء من محاكم محلية أو ملكية بما فيها تلك الصادرة من فيليب الخامس ملك فرنسا، أعطيت للرعاع ولغيرهم فرصة القتل وإقامة المحارق للمجذومين وتعدى هذا كل فرنسا ووصل إلى برشلونة في شبه الجزيرة الإيبيرية. تطور الموقف من المجذومين بعد ذلك ليصبح أقل عنفا بعد “إعادة التفكير في الجذام عن طريق الموت الأسود، من خلال موت رجال دين عديدين في بضعة أشهر”(ص. 188) مما استوجب تعويضهم وهو ما كان مستحيلا في ظل سيادة الأمية في الأوساط الموكول لها القيام بمهام الرهبنة.

   أثرت الأوبئة في ديموغرافية المناطق التي اجتاحتها، وكانت للأوبئة الطارئة عليها مثل الزهري وغيره من الأمراض الجنسية التي ضربت جزر هاواي والقادمة مع الرجال البيض أثر كبير على ” القدرات الإنجابية لنساء هاواي”(ص. 190)، كما ساعدت أمراض أخرى على الإجهاز على النمو الديموغرافي للجزر لم تكن معروفة لدى ساكتها الأصلية، وأمام تنامي الأمراض حطت الإرساليات التبشيرية رأس رمح الاقتصاديات الاستعمارية الرحال بهذه المنطقة، “ومع اكتشاف الذهب في كاليفورنيا عام 1848 وظهور موجة عارمة من التجارة مع الصين، أصبحت هاواي فجأة محطة الإمداد للباسيفيكي”(ص. 190)، واعتبارا لكون الساكنة الأصلية دائمة المرض وارتفاع عدد الموتى في صفوفها، وعدم امكانية الالتزام بمقتضيات التخصص الاقتصادي الذي أصبحت عليه هاواي “استقدمت أيد عاملة أجنبية، اشتملت في البداية على قليل من النرويجيين الذين ربما عانوا من المرض”(ص. 191) لسد الخصاص الناتج عن الأمراض المتفشية، لكن في نفس الوقت زرع أمراض أخرى من بيئات غريبة عن مجالها بين الساكنة. لم يكن فقط النرويجيون الوحيدون المُسْتَقدمون بل أولئك الطامحون من هونج كونج والصين وبعد ذلك من الفلبين، إذ العمل من أجل الربح بالنسبة للشركات الكبرى أمر لا تربطه مع الأخلاق أية رابطة. وهكذا أصبح مجال هاواي مستباحا بالمرض ومحكوما بالشركات الاقتصادية الاستعمارية، فأضحى أهالي هاواي “قبيحو المنظر بسبب الجذام. حالات الرمد وداء الخنازير وداء الفيل من الحالات الشائعة”(ض. 191)، بعد أن كانت هذه الأوبئة شبه منعدمة بالمنطقة. وبالنظر لتخصص المنطقة في تصدير المنتجات الزراعية فقد عَتَّمَت الشركات عن زبنائها ذكر الأمراض المستشرية في المستعمرة. لجأت القوى الاقتصادية المرتبطة بالاستعمار لدفع ملك هاواي لسن قانون فتح معتقلات مرضى الجذام، وهكذا نجد أن نفس ما عرفته أوروبا أصبح في أقاصي جزر المحيط الهادي. أدت هذه السياسة العنيفة الموروثة عن العصور الوسطى إلى مصادقة “أول مؤتمر عالمي للجذام في برلين علم 1897،…على سياسة عزل صارمة للمجذومين في كل مكان في العالم غير الغربي”(ص. 195)، وهو تمييز واضح المرامي. ويورد شلدون مجموعة كبيرة من الأمثلة الموضحة لما عانته اليد العاملة الأهلية من الشركات الاستعمارية، بتركها لمصيرها بعيدا عن النظر والبال. وللتأكيد على دور الإمبريالية في نشر الأمراض اعتبر الجذام خطرا إمبرياليا (ص. 198) على الرغم من نكران ذلك فيما بعد لتفادي المبالغ الكبيرة على العلاج والقابل خصمها من أرباح الشركات الكبرى. اعتبر كل الساكنة سواء بالهند أو قبائل الزولو بالناتال (جنوب إفريقيا) أن المرض كان غريبا عن الأهالي حتى وصل الرجل الأبيض، وبوصوله تمت عملية استباحة هذه المجتمعات والنظر إليها بكونها تحتاج في حالة وجود مجذومين إلى رعاية دينية وليس طبية (ص. 203)، وكأن المرض نتيجة منطقية لتعاليم كتابي العهد القديم والجديد (سفر اللاويين). كان المبشرون العاملون في البعثات الصحية يقومون بجمع الضرائب في الوقت الذي كان المستعمرون يصادرون أراضي الأهالي لتركيز اقتصاد امبريالي تابع.

  ساهمت الثقافة الغربية في عنصرية قاتلة لمفهوم “الإنسان” لدى المبشرين المتدربين طبيا والمستعمرين، و”لمعرفة الأفكار حول الجذام كحالة أخلاقية أضيفت مفاهيم الداروينية الاجتماعية”(ص. 207) التي أضفت على التعامل مع الأهالي بنوع من الدونية وهو ما أعطى شرعية “للتحالف بين المسيح وهربرت سبنسر”(ص. 207) في التحكم في هذه البلدان ومجتمعاتها الأهلية. بهذا التصور المعتمد على مضامين دينية وهدف إمبريالي اعتبر “الجذام بطريقة هاواي، على أنه أحد الطرق لاعتماد نظام استعماري مطلوب لإثبات أنه كان في مجرى الحضارة” (ص. 215) وهو ما حاولت تسويقه سلطة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا وفي نفس الوقت اعتبار “أن الخطر الإمبريالي القديم الذي أعلنه رئيس أساقفة جرانثام في 1885 كان لا يزال دعامة مفيدة”(ص. 215)، ومع أن الجذام كان آفة، فإنه السل هو من بين الأمراض الأكثر فتكا في العوالم المستعمرة والتي لم ينفق عليه الإمبرياليون أي شيء.

 لا يمكن الحديث عن الجذام باعتباره وصمة عار بل هو مرض من بين أخريات التي وقع التصادم حولها بين الموقف الإسلامي في الأماكن المستعمرة بغرب إفريقيا وأندونيسيا وتلك التي وجد بها معتنقو الإسلام من الأهالي والمبشرين المسيحيين كما أشار إلى ذلك شلدون، وهذا أضاف “عبئا على مخاوف المبشرين بأنه في المناطق الإفريقية والآسيوية حيث كان المرض منتشرا، فربما لا يكون المستقبل لهم”(ص. 219)، وهو ما تأكد فيما بعد. إن التشديد على ارتباط الجذام بالأخلاق ودعم ذلك من قبل المبشرين هو في نهاية المطاف ارتباط بموقف المستعمرين من الأهالي ومحاولة طرد الكل من أماكن إقامتهم وتجميعهم في “غيتوهات” لتسهيل سرقة الأراضي ودمج باقي الساكنة في منظومة الاقتصاد الرأسمالي خدمة للمتربول.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .