Monday , September 21 2020
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / أخبار التاريخ والمؤرخين / الأستاذ الطيب بياض يكتب: المودن .. رائد الكتابة التاريخية وخبير بوادي المغرب قبل الاستعمار

الأستاذ الطيب بياض يكتب: المودن .. رائد الكتابة التاريخية وخبير بوادي المغرب قبل الاستعمار

المودن .. رائد الكتابة التاريخية وخبير بوادي المغرب قبل الاستعمار

 

وَشجَاهُ يَوْمَ الفِراقِ الفِرَاقُ

مع بُزوغ شمس يوم الأحد 02 غشت سنة 2020، كان تطبيق “واتساب” يحمل خبر أفول نجم أحد القامات السامقة في سماء الكتابة التاريخية في المغرب؛ رسالة قصيرة من المؤرخ المغربي عبد الرحيم بنحادة إلى زملائه وأصدقائه ينعي فيها الأستاذ الباحث عبد الرحمان المودن على هذه الصورة: “بقلوب آمنة أنعي الصديق والزميل عبد الرحمان المودن الذي وافته المنية صباح يوم الأحد 02 غشت بالدوحة. تغمد الله الفقيد برحمته وأسكنه فسيح جناته”.

نزل الخبر الصاعقة مفاجئاً ومُفزعاً، وانفطرت أفئدةٌ عدة لسماعه. فالسي عبد الرحمان المودن الباحث الرصين والإنسان اللطيف السمح اللبيب الوديع كان محط تقدير واحترام من طرف الكثير من المنتسبين إلى حنطة المؤرخين بالمغرب، ولا شك أيضا في بلدان أخرى بحكم مساره المهني ومسيرته العلمية التي امتد إشعاعها من نورث كارولاينا بالولايات المتحدة إلى الدوحة في قطر حيث فاضت روحه الطاهرة، ومن برلين إلى نواكشوط، مرورا بباريس وتونس.

لافظ معول وحامل مشعل

بزاوية سيدي عبد الجليل، الواقعة على الطريق الوطني الرابط بين فاس وتازة، أطلق عبد الرحمان المودن صرخته الأولى سنة 1946، قبل أن يخرج لمعاركة الحياة مُبكراً من قلب الهامش، ساعياً إلى إيجاد موطئ قدم في المركز، ولو في شكل مقعد لتحصيل العلم بالجامعة. هكذا، التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط نهاية الستينيات من القرن الماضي، ليحصل فيها على شهادة الإجازة سنة 1970.

قاده طموحه وشغفه المعرفي إلى استكمال دراساته العليا، فَتَوَّجَهُ يوم 06 يوليوز 1984 بمناقشته لرسالة نيل دبلوم الدراسات العليا في موضوع “البوادي المغربية قبل الاستعمار، قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر”، أمام لجنة مكونة من السادة الأساتذة إبراهيم بوطالب رئيساً وجرمان عياش مُقرراً وأحمد التوفيق والعربي مزين مقررين، فحاز بها دبلوم السلك الثالث بميزة حسن جداً مع توصية بالنشر. وهو ما تحقق فعلا سنة 1995، عندما صدرت في شكل كتاب من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

اختار عبد الرحمان المودن بعد ذلك تدشين ورش جديد في البحث، بإحدى أشهر الجامعات الأمريكية، فوجه بوصلته نحو الدراسات العثمانية وكانت وجهته جامعة برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية التي حصل فيها على درجة الدكتوراه سنة 1991، في موضوع: “البادشاه والسلطان: العلاقات المغربية العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، مساهمة في دراسة الثقافة الدبلوماسية”.

لذلك، لم يكن مستغربا أن تأتي الأعمال المهداة للفقيد عبد الرحمان المودن موسومة بميسم مُعَبِّر، حاملٍ لدلالة ومكثف لمعنى، أجاد صقله كل من عبد الأحد السبتي وعبد الرحيم بنحادة، اللذين انتبها إلى قيمة ورمزية الاحتفاء به وهو لا يزال على قيد الحياة، فجاء الكتاب التكريمي المهدى إليه سنة 2012 يحمل عنوان: “من إيناون إلى إستانبول”.

من قلب إيناون، وتحديدا من زاوية سيدي عبد الجليل، إلى الدوحة ارتحل ورحل عبد الرحمان المودن، قطع المسافات في اتجاهات مختلفة وطوى المفازات، عابرا المراكز والجامعات بين أربع قارات. وخلال كل هذا المسار، وفي انتظار المصير، ظل عبد الرحمان المودن الإنسان قبل الأستاذ الباحث مُعْرِضاً عن ثقافة المعاول ساعيا إلى حمل المشاعل. نبذ الهدم وسعى إلى البناء، أنار درب الباحثين الشباب بانفتاح مثمر على مختلف المدارس والمناهج التاريخية، التي وظفها بمهارة في كتاباته، فَدَوَّنَ اسمه إلى جانب ثلة قليلة من المؤرخين المغاربة ممن لقحوا الكتابة التاريخية المغربية بنَفَس تجديدي، طال إشكالياتها ومواضيعها ومقاربتها. مما فتح للجيل الذي أتى بعدهم آفاقا أرحب للنسج على المنوال، بل والطموح لتعميق الطرح وتوسيع مساحة التجديد، خاصة أن عبد الرحمان المودن كان من بين المحتضنين للجيل المجدد، بروح بناءة تضيء الشموع عوض أن تلعن الظلام.

أتيحت للعديد من المؤرخين الشباب فرصة الاحتكاك بعبد الرحمان المودن باعتباره كاتبا عاما للجمعية المغربية للبحث التاريخي خلال ولايتين بين 2007 و2011، فوجدوا فيه نموذج المسؤول عن جمعية عالمة، يجمع بين صرامة الحريص على اضطلاعها بمهمة الإسهام في تطوير الكتابة التاريخية في المغرب، ونبل ورقي ودماثة خلق حامل مشعل علمي، متصالح مع ذاته، داعم للخلَف بشكل ناعم. كيف لا وهو الذي جمع في شخصه ثلاثية ذهبية على مستوى منظومة القيم والأخلاق: صفاء السريرة وبهاء الطوية ونقاء الروح. لذلك، فأصدقاؤه ومحبوه ممن سلّمهم المشعل قبل أن يترجل عن صهوة الحياة، لن يبكوه ميتا لذهابه ولكن لبقائهم دونه.

خبير البوادي المغربية قبل الاستعمار

من يقرأ كتاب “البوادي المغربية قبل الاستعمار”، لا بد أن تستوقفه موسوعية صاحبه وقدرته المبهرة على النهل من حقول معرفية مختلفة، أجاد الاستفادة منها بمهارة عالية في عمله.

تشي الصفحات الأولى من الكتاب بتملك واع وعميق لمفهوم الزمن الجغرافي، وكأني بعبد الرحمان المودن يعمل على “تبيئة منهجية” للجزء الأول من كتاب فرنان بروديل “البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فليب الثاني” في حوض إيناون، مستلهما جوهر المقاربة ولُب الفهم، كاشفا كيف تفعل الجغرافيا أفاعيلها في التاريخ، فترسم أحداثه وبنياته وفق إحداثياتها ومنحنياتها التضاريسية ومتغيراتها المناخية والنباتية.

أما حين يغوص عبد الرحمان المودن في موضوع القبيلة، محاججا مختلف النظريات التي تصدت لها بالدرس والتحليل، فإنه يشيح بوجهه عن أصحاب الجاهز والنمطي والمسبق والإيديولوجي ليرتدي لباس الأكاديمي المتمكن من أدواته، الذي لا يخشى نزال أصحاب الطرح الانقسامي، بل يتفاعل معهم بشكل عميق يتيح له استخراج عناصر تحليل علمي لفهم الواقع القبَلي من قلب هذه النظرية، دون التماهي مع بُعدها الإيديولوجي. لذلك، أعتبر أن ما قدمه عبد الرحمان المودن عن القبيلة بمغرب ما قبل الاستعمار، وعن علاقتها بالمخزن لا يشكل منجما من ذهب للباحثين الشباب في حقل التاريخ الذين يرومون الخوض في هذا الموضوع فحسب، بل لمختلف الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولعل المعني الأول بالتفاعل النقدي المنتج مع البناء التاريخي المتين للموضوع كما صاغه المرحوم المودن ليس دارس التاريخ؛ بل بالأساس الأنثروبولوجيون وأهل السوسيولوجيا القروية، سواء منهم من نسج على منوال كليفورد غيرتز أو من سار على درب إرنست غيلنر أو من اقتدى بديل إيكلمان أو من اهتدى ببوصلة كلود ليفي ستراوس لتحديد سَمْتِ القبيلة في المغرب.

يقدم عبد الرحمان المودن، من خلال دراسته لقبائل ايناون، خارطة طريق علمية لفهم الثابت والمتغير في البوادي المغربية، وما أحرقها من نيران الأزمات والشدائد والمحن، الطبيعية منها والبشرية، التي عطلت مسيرتها وعرقلت تطورها، وما اخترقتها من تيارات وتحولات، اتسمت في الغالب الأعم بالكثر من التردد والارتباك.

يُبدع في رسم العلاقة الجبائية والتسخيرية بين المخزن والقبائل، ويبرع في تحليل ثنائية المادي والرمزي في عملية تبادل الأدوار بين أصحاب السلطتين الزمنية والروحية، ويتقن تركيب لوحة الحياة الاقتصادية على مقاس القلة والكفاف، في دورة إنتاجية مبنية على شد الحبل بين الشريكين الرئيسيين فيها؛ أي البادية والمدينة. على أن البديع الرفيع وجميل الصنيع في كل هذا، هو كونه يقدم دراسة متينة تسير على تخوم السوسيولوجيا الكولونياية بدون نشاز ولا توتر. تدحض طروحاتها حينا، وتقدم عناصر تفسير مختلفة عن فهمها من قلب منطلقاتها النظرية أحيانا أخرى.

عبد الرحمان باشا الدراسات العثمانية في بلاد المغارب

يبدو أن سنة 2020، التي ساقت في ركابها فيروس كورونا المستجد إلى البشرية جمعاء، أصرت على انتزاع هرمين من أهرامات الدراسات العثمانية من أوساط الباحثين. كانت البداية يوم الثامن شهر أبريل حين رحل عنا جاك طوبي رائد هذا النوع من الأبحاث في فرنسا، الذي تخرج من مدرسة ثنائي تاريخ العلاقات الدولية بيير رونوفان وجون باتيست ديروزيل، فنحت له في مجال الدراسات العثمانية أخاديد علمية عميقة بوأته الريادة في هذا الورش الفكري داخل المدرسة التاريخية الفرنسية، قبل أن تمتد يد المنون بعد حوالي أربعة أشهر إلى زميله عبد الرحمان المودن، الذي لم يتقاسم معه الاهتمام بتاريخ العلاقات مع تركيا والدولة العثمانية أو المجال المتوسطي فقط، بل ربما أيضا جزءا من الخلفية الفكرية والفهم الإيديولوجي.

أَشّرَتْ سنة 1991 على تحول في الاهتمام العلمي لعبد الرحمان المودن، الذي لم يكتف بلغات ثلاث، يوظفها في أبحاثه قراءة وتدوينا، يتعلق الأمر بالعربية والفرنسية والإنجليزية، بل مال إلى دراسة اللغة التركية، لفك شيفرات الوثائق التي تؤرخ للعلاقات المغربية العثمانية خلال الفترة الحديثة، فكلل مجهوده بأطروحة صاغها باللغة الإنجليزية، نال بها درجة الدكتوراه من جامعة برينستون، اختار لها عنوان: “البادشاه والسلطان.. العلاقات المغربية العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، مساهمة في دراسة الثقافة الدبلوماسية”.

ثم شرع في تعميق الاهتمام بهذا الورش الجديد من خلال العديد من المقالات والدراسات والأبحاث، اتسم بعضها بطابع الشراكة والتنسيق مع باحثين من جامعات أجنبية، خاصة من تونس. وأشرف مع باحثين آخرين على إصدار مجموعة من الأعمال في الموضوع يمكن أن نستحضر منها: “العثمانيون في المغارب من خلال الأرشيفات المحلية والمتوسطية”، و”العثمانيون والعالم المتوسطي: مقاربات جديدة”، و”السفر في العالم العربي والإسلامي، التواصل والحداثة”، التي أشرف على إصدارها مع زميله في الاهتمام المعرفي ذاته عبد الرحيم بنحادة.

يحق لعبد الرحمان المودن أن يتبوأ موقع الريادة في الدراسات العثمانية على المستوى المغاربي، ليس بسبب أطروحته ومقالاته والأعمال التي أشرف عليها في الموضوع فحسب، بل بالأساس لأنه كان مسكونا بهاجس إعداد الخلف في هذا التخصص من العلاقات الدولية. هكذا عمل، إلى جانب عبد الرحيم بنحادة وعبد الحفيظ الطبايلي، على خلق مشتل لتكوين متخصصين في الدراسات العثمانية من خلال ثلاث وحدات للتكوين والبحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، في مواضيع همت “المغرب والعالم العربي الإسلامي”، ثم “المتوسط والعالم الإسلامي”، و”المجتمعات الإسلامية المتوسطية والحداثة”، التي أنجبت نخبة من الباحثين الجادين؛ من بينهم عبد الحي الخيلي، الأستاذ حاليا بالكلية نفسها، وهو صاحب كتاب: “النخبة والإصلاح، نماذج من الفكر الإصلاحي العثماني بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين”. وإلى جانب ذلك، أشرف المودن على أطاريح جامعية لنيل الدكتوراه في الاهتمام العلمي نفسه، أذكر منها أطروحة مصطفى الغاشي، العميد الحالي لكلية الآداب بتطوان، التي ناقشها سنة 2004 في موضوع: “الدولة العثمانية من خلال كتب الرحلات”.

يصعب اختصار أو اختزال المسار العلمي للمرحوم عبد الرحمان المودن غزير العطاء، كما أن مساره المهني في التدريس وتقديم المحاضرات لا يتيح الإمساك به بيسر في امتداده من ثانوية مولاي يوسف إلى مركز الدوحة، مرورا بجامعتي محمد الخامس بالرباط والأخوين بإفران وطنيا، والعديد من الجامعات الدولية الأمريكية منها والأوروبية والعربية. وهي صعوبة لا تضاهيها إلا استحالة ذكر كل مناقبه ومكارمه، لأفضال أياديه البيضاء على الكثير من زملائه وطلابه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .