Tuesday , January 21 2020
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الإصدارات / إصدار للأستاذ محمد أعفيف، توات: مساهمة في دراسة مجتمعات الواحات وتاريخها، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 70.

إصدار للأستاذ محمد أعفيف، توات: مساهمة في دراسة مجتمعات الواحات وتاريخها، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 70.

Aafif1

Aafif2w

Aafif3w

توطئة

منذ ثلاثة عقود تقريبا، وهذا العمل يقبع في رفوف مكتبة كلية الآداب بالرباط، لم أسع في نشره ولم يسع الناشرون إليه. أبحث في قرارة النفس عن سبب مقنع فلا أجد سوى ما استعر من أزمة بين المغرب والجزائر أثناء إنجاز هذا العمل. فكان نشره بمثابة صب زيت على نار غير ناقصة حطب أو نافخ نار. أما التفكير في نشره اليوم فلم يكن يخطر في بال، إلى أن طرق بابي يوما شاب جزائري يعمل أستاذا باحثا في جامعة أدرار (عاصمة توات حاليا) سمع بالعمل وقرأه مخطوطا. استفسرني عن أمور دقيقة وبعض المصطلحات وتمنى أن يرى العمل مطبوعا وأكثر تداولا. ثم أسَّر من بين ما أسّر أن ذكر ماضي توات المغربي يكاد يكون جرما في جامعته وبين عامة الناس في 

أعدت قراءة العمل فوجدت فيه ما يُقرِّب بين شعوب المغرب الكبير أكثر مما يفرق. فالصحراء وواحاتها كانت فضاء مشاعاليس بين دول المنطقة فحسب، بل بين قبائل الرحل التي كانت تستغل المجال في نجعتها الموسمية في حرية بعيدا عن هضيمة الأحكام. في هذا المجال كان اقتصاد الرحل يتكامل مع اقتصاد المستقرين في الواحات. أما واحات توات خصوصا، فكانت مجمعا وملتقى لقبائل من مختلف أرجاء المغرب الكبير من ليبيا إلى المغرب، يقصدها التوارﮒ من النيجر كما يقصدهاذوي منيع من المغرب أو الشعابنة من الجزائر. بينما كان وضعها في تجارة شمال غرب إفريقيا ومسالكها أكثر شمولية وإشعاعا، حيث كانت بمثابة رأس مثلث مقلوب يمتد ضلعاه نحو ليبيا والمغرب الأقصى وقاعدته على طول ساحل البحر المتوسط الغربي من طرابلس حتى طنجة. كانت توات ولعدة قرون مجمع القوافل تربط بين السودان ومختلف المراكز التجارية في شمال إفريقيا وكان دورها حيويا بسبب توغلها في الصحراء. وعلى الرغم من خضوعها ردحا من الزمن للإدارة المغربية إلا أنها ظلت مجالا مفتوحا للجميع كما كان شأن المجال الصحراوي عموما. 

غير أن وضع توات والمجال الصحراوي عموما تغيّر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بسبب التوسع الاستعماري انطلاقا من الجزائر. إذ أحدث هذا التوسع شرخا في المجال الطبيعي لعدد من قبائل الرحل التي حرمها من مجالها الرعوي، وأقلق التكامل بين الرحل وأهالي الواحات بإصراره على فرض حدود اصطناعية في أرض لم يُفكر أحد في أنها قابلة للتقسيم. ومن أسف أن عواقب هذا التوسع ترجمت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى شوفينية ضيقة تسببت في حروب وتفريق بين أناس كان بينهم ما يجمع أكثر مما يفرق. 

لم أختر دراسة واحات توات عن نيةمبيته أو خدمة أهداف سياسية معينة. فأثناء مناقشة موضوع البحث مع الأستاذ المشرف المرحوم جرمان عياش، كان اقتراحه البحث في منطقة الجنوب الشرقي التي تعرضت للتدخل الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر،وعواقب ذلك التدخل على الوضع الداخلي للمغرب قبل الاحتلال. وخلال تجميع المصادر من مظان مختلفة، اكتشفت أن توات شكلت حجر الزاوية في التوسع الفرنسي وموضوعا شغل الدبلوماسية المغربية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، بل كانت من بين أسباب تنحية السلطان مولاي عبد العزير بحجة تفريطه في أرض الإسلام. 

كان يسيرا القيام بعملية تأريخ للتوسع في الجنوب الشرقي عموما وتوات خصوصا، غير أنني اخترت مسلكا أكثر صعوبة، على غرار ما كان سائدا في البحث التاريخي في المغرب آنذاك،أي القيام بعمل مونوغرافي يهدف دراسة المنطقة ذاتها قبل التطرق إلى الدخيل عليها. وبالفعل جاء هذا العمل أقرب إلى التاريخ الاجتماعي منه إلى التاريخ السياسي. 

تمتاز الواحات المعروفة إجمالا بـ “توات” بموقع جغرافي متفرد في الصحراء الكبرى. إذ بموقعها ذاك تكون أقصى الواحات المتوغلة في الصحراء، مما جعلها مهيأة بصورة طبيعية لتكون محطة استراتيجية في طريق القوافل التجارية سواء العابرة من الشمال إلى الجنوب أو المتجهة من الغرب إلى الشرق أو العكس. ولعل استراتيجية الموقع هاته الموقع هي ما جعلت اسم توات يقترن في كتابات الجغرافيين والمؤرخين المسلمين بالمسالك الصحراوية، ولا تعرف في الغالب إلا بهذه الميزة التي جعلت منها محطة رئيسة تتوقف بها القوافل القادمة من جنوب الصحراء قبل أن تتوزع في اتجاه مختلف المدن التجارية في المغرب والجزائر وليبيا.

كان لبعد توات عن مراكز السلطة في شمال إفريقيا أثرٌ كبيرٌ في تنوع عناصر سكانها وفي خلق نظام اجتماعي وسياسي يتناسب مع وضع الواحات كمجتمع زراعي من جهة، وغياب هيمنة السلط المركزية في أغلب الأحيان من جهة أخرى. وهذا ما جعلها ترتبط بعلاقات متعددة مع البدو الرحل والزوايا ومراكز السلطة القريبة منها. فخلال تاريخ توات الطويل الضارب في القدم، طور أهالي توات نوعا من التسيير الذاتي لأمورهم الداخلية على الرغم من ارتباطهم أحيانا بالدول المتعاقبة في المغرب الأقصى.

عرفت توات أوجها الاقتصادي في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين حيث قام هذا الازدهار على أساس تجارة القوافل وتطور نظام الري القائم على الفـﭽـارات (الخطارات). ففي هذه الفترة أرسل السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي حملته الشهيرة إلى السوادان وقبلها كان سيّرحملة إلى توات أعادت إرساء سلطة المخزن المغربي بها بعد أن تدهورت منذ أن دب الضعف إلى الدولة المرينية. 

منذ ذلك التاريخ، أصبحت توات إقليما من الأقاليم المغربية يعين المخزن عليها القواد والعمال ويستخلص منها الجبايات، وبالتالي يمارس بها سلطة اعتيادية تراعي وضعها الجغرافي وخصوصيات نظامها الاجتماعي. غير أن هذه السلطة خفّت مظاهرُها نسبيا في مطلع القرن التاسع عشر خاصة ما تعلق منها باستخلاص الجبايات وانتظام إرسال العمال والقواد. ويرجع ذلك لأسباب متعددة بعضها يتعلق بالإدارة المغربية ذاتها، وبعضها يتعلق بالوضع الاقتصادي للواحات. ومع ذلك لم تنقطع صلة المخزن بهذا الإقليم، حيث ظل سلاطين المغرب يتابعون أوضاعه ويطلبون بيعته ويسمعون تظلماته محاولين حل ما يعترضه من مشاكل إلى أن تم احتلال واحات توات في مطلع القرن العشرين وعلى رأسها باشا مغربي. 

كان اختيارنا لمنطقة الجنوب الشرقي مرتبطا أساسا بالتوسع الفرنسي في شمال غرب إفريقيا بعد احتلال الجزائر وما أخذته المنطقة من أهمية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر سواء بالنسبة للاستراتيجية الفرنسية أو بالنسبة للإدارة المغربية. 

عند احتلال الجزائر سنة 1830، لم يكن الفرنسيون حينها يطمحون إلى أكثر من بسط نفوذهم على الجزائر المتوسطية التي كانت في حوزة الدولة العثمانية. غير أن حركة التوسع الفرنسي في شمال غرب إفريقيا عرفت نشاطا مكثفا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر انطلاقا من خليج غينيا وساحل السنغال على المحيط الأطلسي ومن مستعمرة الجزائر على البحر الأبيض المتوسط.

فمن الجزائر وسع الفرنسيون رقعة احتلالهم إلى التل الصحراوي والواحات المحاذية له، هذا في وقت نشطت البعثات الاستكشافية في الصحراء ووسط غرب إفريقيا مستغلة المسالك التجارية المعروفة. وكانت حصيلة هذا النشاط جمع كم هائل من المعلومات عن المنطقة ومسالكها التي كانت تقارن وتستكمل باستجواب الرحل والتجار.

أما من السواحل الإفريقية الأطلسية، فقد كان الهدف من الحركة الاستكشافية هو الوصول إلى المناطق الداخلية التي اشتهرت بإنتاج المعادن النفيسة بغرض التوسع والتبشير. ومع ظهور النتائج العملية لهذه الجهود، وضحت الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية التي تتمتع بها منطقة شمال غرب إفريقيا ــــــ شمالها وصحراؤها وجنوبها ـــــ بالنسبة لفرنسا بعد ازدياد حدة الصراع الإمبريالي وحمى التنافس حول المستعمرات الإفريقية. 

في حدود ثمانينات القرن التاسع عشر، كان الساسة والقادة العسكريون الفرنسيون قد رسموا الخطوط العريضة لإمبراطورية استعمارية في غرب إفريقيا، وشرعوا في العمل على تحقيق ذلك عسكريا ودبلوماسيا، حيث ظهر ذلك جليا في مؤتمر برلين 1885 وفي المعاهدة الفرنسية البريطانية الموقعة سنة 1890.

في هذا المخطط العام لهذه الإمبراطورية، التي كان المغرب الأقصى جزءا منها، حظي الجنوب الشرقي المغربي بأهمية خاصة لدى العسكريين الفرنسيين بسبب تضافر جملة من العوامل جعلت من احتلاله أمرا ضروريا لاستكمال السيطرة على شمال إفريقيا والصحراء ووسط غرب إفريقيا. 

من هذه العوامل، الوضع الجغرافي المتميز للمنطقة بالنسبة للمسالك الرابطة بين شمال الصحراء وجنوبها. فالمسلك المار بواد زوزفانة (جنوب فـﭽيـﭺ) وواد الساورة وواحات توات يعتبر من أكثر المسالك سهولة لاجتياز الحاجز الرملي الضخم المعروف بالعرق الغربي الكبير. فهو يوفر في مقاطعه الثلاث واديا طبيعيا بين العرق والحمادة. وقد ازدادت أهمية هذا المُعطى الطبيعي بعد أن كثُر الحديث عن مشروع السكة الحديدية العابرة للصحراء، حيث أعطى المهندسون المشرفون عليه الأولية لهذا المسلك ضمن التصاميم التي شملت مسالك ومناطق مختلفة جنوب الجزائر. 

ومن بين تلك العوامل أيضا، أهمية منطقة الجنوب الشرقي المغربي في حد ذاتها بالنسبة للمناطق الواقعة شمالها وجنوبها. فبالنسبة للفرنسيين في الشمال، اتضحت هذه الأهمية بعد ثورة أولاد الشيخ الذين اتخذوا من واحتي فـﭽيـﭺ وﮔورارة خلفية ودرعا يحتمون به ويوجهون من ورائه ثورتهم. وهو ما حذا بالقادة العسكريين إلى التفكير في دعم السيطرة على الجنوب الوهراني بالاستيلاء على المناطق المحاذية له، والتي حسب زعمهم تأوي العناصر الثائرة وتهدد أمن مستعمرتهم مستلهمين في ذلك من قولة المستعمر البريطاني سالسبيري “إن المستعمر لمنطقة ما يجد نفسه مجبرا على استعمار المناطق المجاورة لها حتى يضمن أمن المنطقة الأولى.” وزادت هذه الأهمية حين اتضحأن هذا الاحتلال يفتح الطريق أمام احتلال مناطق أخرى كما هو حال واحات توات التي كانت سوقا رئيسيا تتبضع فيه قبائل الرحل. فحرمان هذه القبائل من أسواقها يُمهِّد الطريق لإخضاعها، كما هو شأن قبائل التوارﮒ التي كان القادة الفرنسيون يستعجلون إخضاعها لإحكام سيطرتهم على المسالك التجارية الخاضعة لهيمنتها.

أما بالنسبة للمغرب الأقصى، فقد كانت المنطقة، وبخاصة توات، تعتبر حلقة وصل بين المغرب وجنوب الصحراء (بلاد السودان). فاعتبارا لتلك العلاقات التي كانت تربط المغرب بتوات وقبائل الرحل ومناطق جنوب الصحراء، تبلور الهدف الاستعماري الفرنسي في قطع وسائل الاتصال بين المغرب والمناطق التي كان الفرنسيون يخططون لاحتلالها أو القبائل التي يرومون إخضاعها ـ على سبيل المثال قبائل التوارﮒ وسط الصحراء ومدينة تومبوكتو. هذا إضافة إلى الثغرات التي كان احتلال الجنوب الشرقي سيفتحها للتسرب إلى باقي مناطق المغرب الذي كان احتلاله لا يزال رهينة ظرفية الصراع الإمبريالي. 

يتضح مما سبق مدى الأهمية التي اكتسبتها منطقة الجنوب الشرقي، وفي مقدمتها واحات توات، في نهاية القرن التاسع عشر. لم يكناحتلال توات يطرح عقبة أمام القوات الفرنسية المرابطة في الجزائر من الوجهة العسكرية. فأغلب سكانها من الزراع المستقرين في القصور؛ وهم قوم بعيدون كل البعد عن إبداء أية مقاومة عسكرية. غير أن العرقلة الرئيسة كانت تكمن في الوضع القانوني لتوات، فهي تتبع مبدئيا للإدارة المغربية، وطريق الوصول إليها من الجنوب الوهراني عبر فـﭽيـﭺ ووادي زوزفانة والساورة طريق يعبر أراض مغربية أو مجالا لقبائل مغربية بحسب ما نصت عليه معاهدة 1845.

لذا كان على السلطات الفرنسية أن تهيء بصورة جيدة لاحتلال المنطقة وأن تعمل في ذلك في ثلاث واجهات مختلفة: الواجهة الدبلوماسية حيث كان على الساسة الفرنسيين إقناع الدول الغربية المهتمة بالمسألة المغربية بضرورة الفصل بين هذه المسألة وقضية توات، والإثبات بذرائع مختلفة أن توات تقع في الامتداد الطبيعي للجنوب الوهراني، وأنها لم تعد في القرن التاسع عشر تتبع لأية سلطة، سواء أكانت مغربية أو غير مغربية. وبالفعل نجحت الدبلوماسية الفرنسية في هذا المسعى، الذي كان من نتائجه الملموسة معاهدة 1890 التي وقعتها فرنسا مع بريطانيا، والتي اعترفت فيها هذه الأخيرة بوجود توات ضمن مجال النفوذ الفرنسي. وأيضا في الموقف الحيادي الذي وقفته معظم الدول الأوربية بعد أن نفذت فرنسا احتلال توات سنة 1900. وهو بالطبع حياد لصالح فرنسا. 

الواجهة الثانية التي نشط فيها الفرنسيون هي الواجهة المغربية حيث سخروا وسائل شتى للضغط على المخزن المغربي، خاصة في الفترة الواقعة ما بين 1890 و 1901، لإقناعه بالتخلي عن إدارة توات والقبائل المغربية التي يمتد مجالها الرعوي إلى واد زوزفانة، كقبيلتي ذوي منيعوأولاد جرير. وقد استغلوا في ذلك الغموض الحاصل في معاهدة 1845، التي تركتـــــــعن قصد من قبل الطرف الفرنسي ـــــــ المنطقة الواقعة جنوب فـﭽيـﭺ في وضع مبهم؛ فالوثيقة لا تشير إلى توات بالاسم ولا تنص على حدود أرضية واضحة المعالم. 

من بين الضغوط التي مُورست على المخزن المغربي، الابتزاز المادي المتمثل في المطالبة بتعويضات تؤدى نقدا عن كل ما يقع في المنطقة من اعتداءات وسرقات التي عادة ما تحدث بين قبائل المنطقة. وقد وقع التركيز في الفترة الأخيرة على قبيلة ذوي منيع حتى يضطر المخزن للتخلي طوعا عن هذه القبيلة ويتخلص من التعويضات السنوية، وبالتالي يترك هذه القبيلة لتواجه مصيرها لوحدها. 

كانت نهاية مقاومة المخزن المغربي حين وقع سنة 1901 على اتفاقية مع الحكومة الفرنسية التي اتضح من خلال تفعيل بنودها في عين المكان (جنوب فـﭽيـﭺ) أن المخزن المغربي تنازل بصورة شبه رسمية عن سيادته على توات وواد الساورة، أي المناطق التي احتلت قبل عقد الاتفاقية. 

تمثلت الواجهة الثالثة في العمل السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة ذاتها. وهو عمل استمر طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وساهم فيه المستكشفون والعسكريون والحكومة الفرنسية في الجزائر. إذ كان الهدف المنشود هو التعرف بدقة على جغرافية المنطقة وسكانها واستقطاب أهالي الواحات والقبائل الرحل للخضوع تلقائيا للنفوذ الفرنسي. 

منذ سنة 1845 توالت وتواترت المؤلفات والتقارير العسكرية وروايات المستكشفين عن توات ومنطقة الجنوب الشرقي المغربي عموما. وعلى ضوء ما تم جمعه من معلومات، وضعت السياسة التي اتبعت في احتلال الواحات، من ذلك استخدام النفوذ الديني لبعض الزوايا والصلحاء، كالزاوية الوزانية وأولاد سيد الشيخ للتأثير على السكان. وفي السياق ذاته، أنشئت بالقرب من الواحات مراكز إدارية وأسواق تجارية لتنافس الأسواق المغربية التي كان أهالي توات يتعاملون معها. كما أقيمت الحصون العسكرية على أهم المسالك الرابطة بين توات والجنوب الوهراني بغاية تسهيل تنقل الجنود ومراقبة المنطقة. 

في نهاية المطاف تم تنفيذ الاحتلال، في الأيام الأخيرة من سنة 1899، باحتلال قصور إن صالح وإتباعه بالسيطرة الكاملة على مجموع واحات توات في غضون سنة 1900. ثم تلا ذلك احتلال واد الساورة بأكمله إلى قصرإيغلي، أقصى نقطة في شماله، الذي كان همزة وصل بين المسالك الرابطة بين تافيلالت وفـﭽيـﭺ من جهة وتوات من جهة ثانية. وبعملية الاحتلال الأخيرة التي تمت سنة 1901، تمكن الفرنسيون من قطع الصلة بين توات وباقي المناطق المغربية. 

باحتلال قصرإيغلي، كان الفرنسيون قد حققوا قسما من استراتيجيتهم الهادفة إلى السيطرة على المسالك الرابطة بين الجنوب الوهراني وإفريقيا الغربية. وبإجبار المغرب على التوقيع على اتفاقية 1901، دعموا موقعهم العسكر بتنازل المخزن شبه الرسميواعترافه بالأمر الواقع. 

لم تنته عمليات التوسع في الجنوب الشرقي باحتلال واد الساورة، فعندما جاء الجنرال ليوطي إلى المنطقة سنة 1903، أقدم على خطوة جريئة باحتلال جبل بشار. وبذلك يكون الفرنسيون قد تخطوا حدود واد زوزفانة التي طالما اعتبرتها السلطات الفرنسية، طيلة فترة النزاع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حدودا طبيعية بين المغرب والجزائر. 

مثلت خطوة ليوطي حلقة نهائية في إحكام السيطرة على مسلك زوزفانةالساورةتوات. وهي خطوة جاءت تتويجا لمجهود دبلوماسي وعسكري دام زهاء ثلاثين سنة. من بين الدوافع الرئيسة لتلك الجهود تحقيق مشروع السكة الحديدية العابر للصحراء الذي كان سيربط بين الجزائر ودكار. ومن أسف أن هذا المشروع لم يتحقق بينما كانت له عواقب وخيمة على المنطقة ومضاعفات سيئة على حياة السكان. فبسبب الاحتلال، جرى تقسيم قبائل وحرمان أخرى من مراعيها الطبيعية كما هو حال قبيلة ذوي منيع، بينما تدهور وضع توات بحرمانها من مناطق الاتصال التي كانت لها طيلة قرون. وأدى أخيرا إلى خلق مشكل الحدود بين المغرب والجزائر الذي لا يزال قائما إلى اليوم. 

طرحت مسألة التدخل الفرنسي في الجنوب الشرقي المغربي واحدة من القضايا الكبرى التي واجهتها الدولة المغربية في القرن التاسع عشر. فبعد هزيمة إيسلي (1844) وحرب تطوان (1859) وتفاقم أمر الحماية القنصلية بعد مؤتمر مدريد (1880)، بزغت مسألة اقتطاع الأراضي المغربية انطلاقا من الحدود الجنوبية الشرقية. وقد بذل المخزن ما في وسعه، أو ما كان باستطاعته القيام به، لإيقاف هذا التدخل. من ذلك، محاولة تقوية النفوذ المخزني في المنطقة عبر إرسال العمال والقواد لمواجهة الفرنسيين في عين المكان، ومراسلة الزوايا المحلية أو ذات النفوذ في المنطقة، إضافة إلى العمل الدبلوماسي الذي شغلت فيه مسألة الحدود حيزا كبيرا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ويمكن القول دون مبالغة، إن توات كانت أهم قضية شغلت الدولة المغربية في العقد الأخير من ذاك القرن. إذ يعتبرها الكثير الهدف الرئيس للحركة الأخيرة للسلطان مولاي الحسن إلى تافيلالت سنة 1893، كما كانت موضوعا لعدد من السفارات المغربية إلى فرنسا، ومحورا لكثير من مراسلات المخزن مع ممثلي الدول الأوربية في طنجة. 

أحدث احتلال توات هزة عنيفة زعزعت الاستقرار الهش الذي حاول إقراره الحاجب بّاحماد بعد وفاة السلطان مولاي الحسن 1894. إذ كان للتهديد الفرنسي القادم من الجنوب الشرقي وقعٌ كبير لدى مختلف الأوساط المخزنية وغيرها، حيث اعتبر مخزن السلطان عبد العزيز مسئولا مباشرا عما حدث من تفريط في الأراضي المغربية. وظلت المسألة حية في الأذهان إلى حين قيام الثورة الحفيظية؛ فكثير من بيعات السلطان عبد الحفيظ حملت إشارات واضحة إلى الأراضي التي اقتطعت من المغرب والتي كانت تعني أساسا توات. 

ما سيجده القارئ في هذا العمل عبارة عن دراسة مونوغرافية لمنطقة ذات وضع خاص. فبدل التأريخ الحدثي للتدخل الفرنسي في توات، حاولنا القيام بدراسة عامة تشمل تاريخ المنطقة ومكوناتها الاجتماعية والاقتصادية قبل التطرق لعلاقتها مع المخزن المغربي.

6 تعليقات

  1. أحمد بلخيري

    يعكس الكتاب الجهد المبذول في إنتاج مونوغرافية متينة السبك محيطة بالموضوع
    من كل الجوانب تضاف إلى الترجمة الرائعة المقاومة والاحتجاج
    تحية حارة للباحث الجاد والمتواضع الأستاذ أعفيف
    هناك دراسة أخرى للأستاذ احمد العماري بعنوان توات في مشروع التوسع الفرنسي
    بالمغرب من حوالي ١٩٨٨ ـ١٩٠٢ٌ

  2. عمل علمي رصين، بل هو من الكتب التنظيرية الرائدة للبحث التاريخي المونوغرافي والجهوي للمغرب الحديث والمعاصر ….وتبرز قيمة الكتاب التوثيقية في طبيعة وحجم الوثائق التي انفتح واشتغل عليهل الباحث الأستاذ أعفيف ……..والتحليل والمنهجية العميقين مما ساهم في طرح إشكاليات ذات بعد وطني أجابت عنها الوثائق الصيلة المعتمدة ….

  3. ابراهيم الغيرج

    صراحة من بين العمال المتصفة بالعلمية في تناول الموضوع بعيدا عن كل حساسيات مغرضة عكس بعض الكتابات التي يتخوف اصحابها من التعبير عن رايهم بموضوعية او محاولة يناء صرحهم الثقافي على حساب باقي المكونات القبلية الأخرى…

  4. مولاي احمد

    لا احد ينكر مغربية توات وان كان الدليل كاف فاللهجة والعادات وخدها دليل وشكرا على الكتاب الذي اخذ المنطقة بكافة ابعادها ودون تأجيج للاوضاع

  5. هل توجد النسخة الكتاب بالصيغة pdf

  6. السلام عليكم هل الكتاب قابل للتحميل ام لا
    ارجو الاجابة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .