Wednesday , May 22 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الموقع / شؤون تاريخية: دم المسؤولية مفرق بين القبائل

شؤون تاريخية: دم المسؤولية مفرق بين القبائل

 

عثمان المنصوري

 

دم المسؤولية مفرق بين القبائل

       حظي مقالي السابق المعنون ب: من المسؤول عن تردي البحث التاريخي؟ بمتابعة كبيرة من لدن أعضاء الجمعية وباقي المهتمين بالشأن التاريخي من طلبة ومؤرخين. ولا شك أن هذه المتابعة تنم عن اهتمام شديد بالموضوع، ووعي بأن البحث بشكل عام والبحث التاريخي بوجه خاص، يعانيان من تفاقم العلل والأعطاب، ومن نتائج هذا التفاقم التي نطلق عليها مسميات عديدة، مثل التراجع والتدهور والتردي والتدني والضعف، محيلين في كل التسميات على أزمة يتفق الجميع على وجودها وتشخيصها وعلى ضرورة تجاوزها.

       كان المقال مدخلا لموضوع شائك ومعقد، وتضمن عرضا سريعا لبعض مكامن الخلل، التي لا تخفى على الجميع، ولم يكن تشخيصا دقيقا، وتضمن عرَضا بعض الاقتراحات التي يمكن أن تكون مثار نقاش بين المهتمين. والتركيز على البحث التاريخي لا يعني أنه معني لوحده بهذا التردي، الذي تعاني منه حقول معرفية أخرى في المغرب والخارج، في الجامعات العربية والأوربية، وهو ما أكد عليه بعض المتجاوبين مع المقال بتعليقاتهم التي أشكرهم عليها.

       عندما تتحدث إلى أي معني بشؤون البحث التاريخي، في كل المستويات، تجده في الغالب، ملما بكل التفاصيل، وعلى دراية بالمشاكل التي يشخصها تشخيص العارف الخبير، بل إنه يقترح عليك في الحين حلولا لها. وعند البحث عن المسؤول عن هذه المشاكل، يُنحي باللائمة على الآخرين، لدرجة أن مفهوم الآخر أصبح مشجبا نضع عليه كل الأخطاء والتجاوزات والنواقص.

       لا مصلحة لنا في التركيز على أشخاص أو مؤسسات بعينها لتحديد المسؤولية، لأن ذلك لا يجدي نفعا، ولأن هذه المسؤولية موزعة بين أطراف شتى، ودمها ” موزع بين القبائل”. ولكن أي مدخل للإصلاح يجب أن يبدأ بتحديد نقط الضعف والمشاكل، حتى يسهل الشروع في إيجاد الحلول العملية لها. ويخطئ من يتصور أن الأمر هين، وأنه لن يتطلب سوى قرارات تأتي من فوق، لتؤتي أكلها في وقت وجيز.

       تبدأ أول مشاكل التكوين من نظام التعليم الابتدائي والثانوي، الذي لا يعطي للجامعة طلابا بمواصفات تسمح لهم بمواكبة مستويات التكوين في الجامعة. فظروف الدراسة وتفادي التكرار تدفع بأفواج من التلاميذ إلى أقسام أعلى بدون التوفر على المستوى العلمي المناسب لها، ومع تكرار نفس العملية يصبح النقص مزمنا، ويصعب تداركه. وعند التوجيه، يتم اختيار العناصر القادرة لمتابعة الدراسة في شعب العلوم والآداب، وتبقى مجموعة لا تملك مؤهلات مواصلة الدراسة في أي منهما، فيدفع بمعظمها إلى الشعب الأدبية، بدلا من الرسوب أو الانقطاع عن الدراسة. والحصيلة واضحة، حيث يصل قسم من هذه المجموعة إلى الجامعة، وهو الذي يشكل قطب الرحى في شعب التاريخ والدراسات الإسلامية. لقد لاحظت من تجربتي السابقة في التدريس بالجامعة، أن معظم المتفوقين في اللغة العربية يتجهون لشعبة الأدب العربي، وأن المتفوقين في اللغات يتجهون لشعب اللغات والآداب المختلفة، والقليل منهم يختار شعبة التاريخ. أما البقية التائهة التي لم تجد لها مكانا في هذه الشعب فتأتي لشعب التاريخ، وغالبا بدون قناعة. لو سألت أي أستاذ في أية كلية من كليات المغرب، عن مستوى طلبته في اللغة العربية، لأجابك بأمثلة كثيرة عن طلبة لا يحسنون الكتابة، ويرتكبون أخطاء لغوية وإملائية فادحة لا يمكن قبولها حتى من تلاميذ الابتدائي. أما إتقان اللغة الفرنسية أو لغات أخرى فقد أضحى من الأمور النادرة.

       إن أول ما يجب الالتفات إليه، هو أن التكوين السليم، يجب أن يبدأ من التعليم الثانوي، ولا يمكن لأي أستاذ في الجامعة أن يصنع من طالب لا يتوفر على المواصفات المطلوبة باحثا في المستوى الجامعي المطلوب. ولكن الآفة الثانية التي تنخر في التكوين، هي الاستهانة والاستخفاف اللذين يُنظر بهما إلى التدريس بشعب التاريخ، وعدم فهم المسؤولين في مستوياتهم المتعددة، لطبيعة تدريس هذه المادة، وحاجياتها، وأهميتها.

       هنا لا بد من مراجعة التكوين في الجامعة، ليس على أساس المناهج فحسب، ولكن على أساس العملية التكوينية برمتها. لا معنى لما يسمى بالاستقطاب المفتوح. وليس من المعقول أن نكلف أستاذا بتدريس المئات والآلاف من الطلبة، بذريعة أننا لا يمكن أن نترك هؤلاء الطلبة للضياع. فالضياع هو أن نزج بهم في تخصصات ليسوا مؤهلين لها بدون أن نمكنهم من تدارك ما بهم من نقص. لماذا نجد كليات تفرض مواصفاتها وشروطها على المترشحين لدخولها، ونفتح الباب على مصراعيه لكل أنواع الشهادات لولوج كلية الآداب؟ الجواب ببساطة، أن التاريخ بالنسبة للمسؤولين، متاح للجميع، ولا يستوجب التوفر على مواصفات، ويمكن له أن يستوعب ما زاد عن حاجة التخصصات الأخرى.

       ليس من شأن هذه الورقة التنقيص من شأن المتخرجين من شعب التاريخ، ومنهم شباب متفوقون ومتميزون أثبتوا كفاءتهم وجدارتهم، بحصولهم على أعلى الدرجات العلمية،  وشاركوا في الندوات والمؤتمرات بندية عالية مع زملائهم من الباحثين المتمرسين، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن النظام التعليمي في الثانوي والجامعة يسمح بتسرب أشخاص محسوبين على البحث العلمي، بدون توفرهم على الكفاءة اللازمة أو المستوى الأدنى المطلوب في الباحث، وهذا يسيء إلى الجامعة بكل مكوناتها ويسيء إلى البحث التاريخي. والتساؤل المحرج هو: كيف لطالب لا يتقن اللغة العربية ويرتكب أخطاء فادحة في الإملاء والنحو والتعبير، ولا يحسن أي لغة أخرى، أن يتدرج في التعليم الجامعي ويحصل على الإجازة ثم الماستر ويحصل على الدكتوراه، وبميزة مشرف جدا؟؟

هذا السؤال يدفعنا إلى الحديث بالتفصيل عن تدريس التاريخ بالجامعة، ولعله سيكون محور شؤوننا التاريخية القادمة.

تعليق واحد

  1. حدوش عبد الحميد

    تحليل وتشريح منطقي،فالاشكال يكمن في التوجيه بالتعليم الثانوي وبحكم.تجربتي في هذا السلك فمعظم التلاميذ النجباء يختارون الشعب العلمية وما تبقى من نجباء الاداب يتوزعون على مسلك اللغات وعلم الاجتماع، وماعاف السبع يختبؤ فيما تبقى من الشعب. والمؤسف منهم يصل ويحصل على الدكتوراه ويجد من يعبد له الطريق ويتوج له مساره و يغدو أستاذا باحثا، وارجو منكم التركيز على هذه النقظة ،فمشكلة البحث التاريخي جمعت ما بين إعاقة في القاعدة والروافد و ارتفاع منسوب المتسربين لجسم من تقع عليهم مسؤولية التأطير والبحث العلمي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .