Sunday , July 21 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الموقع / شؤون تاريخية: “من الخيمة خرج مائلا”

شؤون تاريخية: “من الخيمة خرج مائلا”

عثمان المنصوري

عثمان المنصوري

شؤون تاريخية: “من الخيمة خرج مائلا”

 

            توقفت في مقالي السابق عند الطالب حين يصل إلى الجامعة. ورأينا أنه ضحية لوضعية عامة يعاني منها التعليم ما قبل الجامعي، الذي يتسم بأعطاب كثيرة، لا يتسع المجال للتوقف عندها، فالمتخصصون يعرفونها جيدا، وطالما سعوا إلى إيجاد حلول لها عبر إصلاحات متعددة لم تزدها إلا  استفحالا.

            أول وأهم المشاكل التي تعاني منها كليات الآداب والعلوم الإنسانية هي ما يطلق عليه: الاستقطاب المفتوح، والمفروض أن هذا النظام معد لتمكين جميع الطلبة الحاصلين على شهادة الباكالوريا من التسجيل في هذه الكليات بدون تقييد أو اشتراط الحصول على ميزة أو معدل ما، بغض النظر عن نوع الشهادة المحصل عليها سواء كانت أدبية أو علمية أو تقنية. والهدف الأساسي من هذا الاستقطاب فتح المجال أمام فئات واسعة من أبناء الشعب المغربي لولوج الجامعة والاستفادة من التكوين فيها.

            وبما أن هذا الاستقطاب مفتوح على مصراعيه، فإن شعب هذه الكليات، ومن ضمنها شعبة التاريخ، تجد نفسها مضطرة لفتح أبوابها لجميع الملتحقين بها حتى وإن تجازو عددهم أحيانا طاقة الأساتذة المؤطرين لهم.  وبما أن الدراسة في شعب اللغات والآداب العربية والأجنبية، تفترض مبدئيا الإلمام الجيد بهذه اللغات، فإن عددا من الطلبة يختارون ولوج شعب أخرى تبدو لهم سهلة ولا تتطلب مجهودا، ومنها شعبة التاريخ. وهي وضعية لا تحرك ساكنا في اهتمام القائمين على شأن التعليم الجامعي لأن التاريخ في نظرهم ميسر لكل من طلبه، ولا يَردُّ يدَ لامِس. وعندما يتحدث الأساتذة عن ضرورة وضع شروط تراعي المواصفات المطلوبة لمن يلج هذا القسم من الطلبة، وعن تحديد عدد الطلبة بما يتناسب مع الإمكانيات البشرية واللوجستيكية، تُشهَر أمامهم ورقة الاستقطاب المفتوح، وحق الطلبة في الولوج إلى الجامعة، بينما يسمح لكليات ومعاهد أخرى بالاختيار وبإجراء المباريات، ورفع سقف المعدلات لقبول المنتسبين إليها. مما يعبر عن استهانة وعدم اكتراث بالحقول المعرفية التي تنتمي إلى كليات الآداب، ويكرس نفس النظرة التمييزية الموروثة عن التعليم ما قبل الجامعي، والتي ترى أن مواد مثل التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والإسلامية والفلسفة، واللغة العربية، أقل أهمية من غيرها.

            قلة قليلة من الطلبة الذين يختارون التسجيل في شعب التاريخ، يتوفرون على المؤهلات المناسبة لهذا التكوين، ويتأقلمون مع الدراسة في ظروف يمكن أن نقول عنها استثنائية. ومنهم من تمكن من المضي بعيدا في أسلاك التعليم الجامعي، وتوجوا مسارهم بالحصول على الدكتوراه، وعززوا طاقم التدريس بالجامعات المغربية والمعاهد العليا، والأمل معقود عليهم لمواصلة مسيرة البحث التاريخي وتكوين الأجيال القادمة. وأغتنم المناسبة لأحييهم وأتمنى لهم التوفيق في مسارهم المهني والأكاديمي. لكن أعدادا كثيرة من الطلبة، وهي التي أتحدث عنها، لا تملك المؤهلات المناسبة لمواصلة الدراسة في شعبة التاريخ. فهي في الغالب تعاني من ضعف في اللغة، ولها تصور بسيط عن التاريخ، موروث عن تجربتها معه في الثانوي.

            ماذا يفعل الأستاذ مع هذا النوع من الطلبة؟ كيف يصنع من طالب ضعيف، باحثا؟ وكيف لهذا الطالب أن يتابع دراسته في ظل ظروف استثنائية؟

            إن مسألة الضعف مقدور عليها إذا توفر التأطير الجيد، وتمكن الأستاذ من التعرف على نقط ضعف الطالب، ونصحه بتدارك النقص، وتقويم مساره، كما أن الطالب الذي يتوفر على رغبة في تحسين أدائه يستطيع ذلك إذا وجد أستاذا يأخذ بيده، وظروفا مساعدة على التحصيل. لكن الأمر ليس كذلك في الجامعات المغربية.

            أمام الأعداد الكبيرة للطلبة، تكتظ المدرجات والقاعات بهم، ولا يتمكن الأستاذ من القيام بدوره كاملا، ولا يجد الفرصة لمتابعة طلبته عن كثب. ولا يتمكن حتى من تذكر ملامحهم وأسمائهم، ويعاني معاناة كبيرة في مراجعة الفروض والاختبارات، وحضور الاجتماعات التي لا تنتهي، على حساب الطالب الذي لا يستفيد استفادة كاملة من الحصص التطبيقية، التي تنتقل فيها المهارات من الأستاذ إلى الطالب.

            وبعد ثلاث سنوات، يحصل عدد مهم من هؤلاء الطلبة على الإجازة، التي تعني عمليا أنهم تلقوا تكوينا يسمح لهم بالعمل وبمواصلة مسارهم كباحثين، ومنهم من ينجح في مباريات الماستر والدكتوراه، ليصبح باحثا  بصفة رسمية ومؤهلا للتدريس وتكوين أجيال جديدة.

            هل نستطيع أن نقول بكل اطمئنان، إن هؤلاء الخريجين تلقوا تكوينا حقيقيا في الجامعة، وأنهم أصبحوا يتوفرون على كل المهارات والخبرات التي تخول لهم صفة باحث، وتتناسب مع الشهادات التي حصلوا عليها؟

            هل مكنتهم دراستهم في الجامعة من التعرف على تاريخ المغرب والعالم في خطوطه العريضة، وبالمنهجية التي تسمح لهم بفهمه؟ وهل تعرفوا على بعض العلوم المساعدة في حدود ما لا يجب جهله عنها، مثل الجغرافيا و الطوبونيميا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات والاقتصاد والديمغرافيا وعلم النفس والفلسفة والعلوم السياسية وغيرها؟ وهل اكتسبوا مهارات في دراسة الخطوط والأختام والنميات والتعامل مع المصادر والوثائق، والكتابة التاريخية والرواية الشفوية؟ وهل تعرفوا على المدارس التاريخية في العالم، وعلى أعمال رواد البحث التاريخي المغربي؟ وهل اكتسبوا مهارات في الترجمة؟ وهل تدربوا على العمل في المكتبة بما يتطلبه من صبر وعناء؟ وهل وجدوا في الجامعة مجالا للإفصاح عن مواهبهم الأخرى: (المسرح والموسيقى والرسم والرياضة والأدب والسينما).

            الجواب واضح.  وعلى هذا الأساس يمكن أن نصنف الطلبة إلى صنفين: الأول منهما يملك إمكانيات المتابعة والمسايرة، لكن ظروف الدراسة: من اكتظاظ وضعف التأطير كما ونوعا، وقصور المناهج المُدرسة، ونقص التكوين تحت الإشراف المباشر للأساتذة، يعطينا خريجا بنواقص كثيرة. أما الصنف الثاني، الذي تنقصه إمكانيات المتابعة والاستيعاب، فهو من الأصل ناقص التكوين “من الخيمة خْرَج مايل”، ولم يجد مجالا لتقويم اعوجاجه، واستدراك نقصه، فمصيره الطبيعي أن يتوقف عن متابعة دراسته. لكن ظروف الدراسة، ولْنقُل العيوب التي تعاني منها الدراسة بالجامعة، تسمح لهؤلاء الضعاف أن يستفيدوا من هذه الثغرات للعبور بسلام للحصول على الإجازة وما بعد الإجازة، محافظين باستماتة على نقط ضعفهم التي يكرسونها ويلقنونها لأجيال الطلبة  الذين  يلقي بهم حظهم العاثر إليهم.

            والخلاصة أن التعليم بالجامعة يمكن الطالب من الحصول على شهادات بتلقيه كمّاً معينا من المعرفة والتكوين التاريخيين، المَشُوبَيْن بنقص المهارات المكتسبة في البحث التاريخي، وهو نقص يعود – كما ألمحنا- إلى ضعف التأطير، وتفاوت ما يقدمه الأساتذة حسب مستوياتهم وخبراتهم وحماسهم للتدريس وقدرتهم عليه، وحسب البرامج والمناهج وظروف العمل. أما التكوين الحقيقي في مجال البحث، فهو التكوين الذاتي، الذي يقوم به الباحث نفسه، بغض النظر عن الشهادات. إنه عمل مستمر ودائب لاكتساب المعرفة والمهارات، وتقويم الخلل وتكملة النقص، وتتبع الجديد في عالم البحث، يستمر مع الباحث طيلة حياته. وبدون هذا التكوين الذاتي، تنطفئ جذوة البحث، وتختفي صورة الباحث أمام الشكليات والمظاهر التي لا تغني من جوع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .