Thursday , April 18 2019
أحدث الإضافات
أنت هنا: الرئيسية / جديد الموقع / شؤون تاريخية 6: بالنقد نستعيد النقود المطرودة

شؤون تاريخية 6: بالنقد نستعيد النقود المطرودة

عثمان المنصوري

عثمان المنصوري

       كانت المقالات السابقة مناسبة للحديث عن بعض المشاكل التي تعترض البحث التاريخي المغربي والباحثين الذين يشتغلون في هذا الحقل الصعب، ولست أزعم أنني  بتطرقي إليها قد أتيت بفتح مبين، فأنا لم أزد على التحدث جهرا عما يفكر فيه الآخرون ويتداولونه سرا أو في نطاق ضيق. معظم المشتغلين في هذا الحقل واعون تمام الوعي بظروف عملهم، وبالنواقص التي تشوبه، وقد تبين لي من خلال التعليقات التي توصلت بها كتابة أو شفهيا، أن ما ذكرته غيض من فيض مما يحفل به الواقع. وقد تساءل بعض المعلقين عن جدوى هذا التشخيص للعيوب التي نعرفها ونعاينها وأصبحت جزء من نظامنا التعليمي، ولا نملك قدرة على تغييرها ولا أملا في تقويمها والوقوف أمام مدها الجارف، واعتبروا الحديث عنها ضربا من  اجترار الكلام، وأن “ما لجرحٍ بِميّتٍ إيلامُ“.

       لكنني في المقابل وجدت لدى متابعي هذه المقالات الكثير من المعلقين الذين شجعوني على المضي قدما في هذا التشخيص، لأنه – في نظرهم- يضع الأصبع على الجروح، وسيحرك – بدون شك-  ساكنا، ويكون بداية جيدة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في مجال البحث التاريخي على الخصوص. فبدون التشخيص الصحيح، لا يمكن أن تتم المعالجة الحقيقية للمشاكل. ومنهم من اقترح تنظيم لقاء وطني لتدارس هذه المشاكل واقتراح حلول لها، وخاصة قبيل الشروع في الإصلاحات الجديدة التي ستمس النظام الجامعي برمته.

       لقد بدأتُ هذه الشؤون بالحديث عن بعض الأمور التي تشغل بالنا جميعا، والتي تسيء إلى حنطتنا، ولم أنته بعد من مرحلة التشخيص، لأن المشاكل متشابكة ومزمنة ومتعددة، وتحتاج إلى تسليط المزيد من الأضواء عليها قبل التفكير في إيجاد الحلول التي لا يمكن إلا أن تكون ثمرة مشاورات وتوافق جماعي بين العارفين من أهل الاختصاص. وسأكون سعيدا إذا حفزت هذه المقالات المهتمين على القيام بمحاولات لإنضاج الشروط الملائمة لحوار وطني، ودفعتهم إلى التفكير في تقديم مقترحات حلول تضع البحث التاريخي في المكانة التي يستحقها.

       أريد في هذا المقال أن أتحدث عن الإنتاج التاريخي، وأعني به كل ما يتم إنتاجه من مكتوب ومسموع ومرئي عن التاريخ، أو له صله به، أو يتخذه موضوعا له، أو ينسبه إليه.

       هناك مفارقة عجيبة، فمن جهة، نجد مكانة التاريخ والمؤرخين متأخرة في اهتمامات المسؤولين، وفي البرامج التعليمية، والمؤسسات العامة، كما أن نظرة النخب من السياسيين والأطر العليا والإعلاميين، إلى ممتهني التاريخ، فيها الكثير من الاستهانة والاستعلاء، فنحن بالنسبة لمعظمهم نشتغل في الماضي، ونشغل أنفسنا بالأموات، ولا قدرة لنا على مسايرة الحاضر والتفاعل مع أحداثه. ولو وضعوا ترتيبا في الأهمية التي يولوها لنا لجئنا في المراتب الأخيرة، بعد السياسيين والحقوقيين والإعلاميين والأدباء والفنانين والرياضين وغيرهم.  وحتى التاريخ الذي هو صنعتنا وتخصصنا ومجال عملنا، أخذوه منا، وتجاهلوا ما ننتجه، وأغرقوا ساحة الإنتاج التاريخي بتاريخ آخر لا علاقة له بما يفرزه بحثنا التاريخي.

لكننا نجد من جهة ثانية، أن سوق الإنتاج بكل أنواعه، تستهلك التاريخ، وتستعين به، وتوظفه في معظم المجالات، فهو حاضر بقوة في قضايانا الوطنية، ونقاشاتنا الفكرية، وجدالاتنا السياسية، وفي إعلامنا بتلاوينه المختلفة، يملأ الأفق ويحجب الرؤية.

الإنتاج التاريخي المغربي صنفان: صنف ينتجه المتخصصون، وصنف ينتجه غير المتخصصين، والأخير هو السائد والرائج، وهو الذي يعمل على ترسيخ معرفة تاريخية لا علاقة لها بما تنتجه الجامعات. إننا أمام وضعية شبيهة بما يحدث في السوق الحقيقي، حيث لا يتعامل الناس بالنقود الثمينة التي لا يملكها معظمهم، أو يخشون عليها من السرقة، أو لا تتناسب مع قيمة البضائع البسيطة التي يشترونها، فيكون إقبال الناس أكثر على النقود الصغيرة من نحاسية وبرونزية، لسهولة تداولها في السوق، ولتلبيتها لحاجياتهم الملحة، وهو ما يعبر عنه الاقتصاديون بعبارة: النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة. يجد المستهلك نفسه محاصرا بتاريخ في متناوله (النقود الرديئة): مجلات ورقية جميلة بعناوين مثيرة، وملاحق صحفية تفعل بالتاريخ ما تشاء، وبرامج إذاعية وتلفزية يستدعى لها من له استعداد للحديث في كل شيء، ليتقمص دور المؤرخ، بدون حسيب أو رقيب، وندوات تنظم هنا وهناك، يتسابق إليها “المتخصصون” الذين يفهمون في كل شيء، ويقحمون التاريخ في كل المواضيع : المدن والجهات والقبائل والأحياء والأشخاص، والمرأة والطفل واللباس والبيئة وحقوق الإنسان والتنمية و …إلخ، فيقدمون تاريخا تحت الطلب، تلبية لرغبات المنظمين واكتسابا لرضاهم. كما يجد المستهلك في متناوله كتبا يطلق عليها أصحابها صفة الكتب التاريخية. ويمكن أن نضيف إلى ذلك ما يحفل به الفضاء الأزرق من كوارث لا قبل لأحد بصدها والتصدي لها، حيث لكل شخص الحق في أن يكتب تاريخه وتأويله للأحداث التاريخية، ويرسخ في أذهان قرائه معلومات خاطئة، يصعب القضاء على تأثيرها، تماما مثل الإشاعات التي تنتشر، ولا تفلح بيانات الحقيقة في تفنيدها والقضاء عليها. والمؤسف في الأمر أن بعض خريجي الجامعات أصبحوا يساهمون في هذا الإنتاج التاريخي، بإنتاج لا يحترم الضوابط العلمية التي درسوها في الجامعة، وبالكثير من التساهل، والتسرع، وبكتابات تفتقر إلى الرصانة العلمية، وإلى المراجعة الدقيقة، مع تسابق عدد من المؤسسات الجامعية وغير الجامعية إلى نشر أعمال بعض الباحثين بدون التثبت من احترامها للضوابط الأكاديمية، ومراجعتها أو عرضها على لجن علمية متخصصة وجدية.

داخل صنف المتخصصين، على قلتهم، نجد بعض الباحثين الذين يكتبون ما يعتبرونه بحثا تاريخيا، ويسوقونه على أنه كذلك، وهم في الحقيقة يكتبون شيئا آخر- وهذا موضوع سأعود إليه إن شاء الله في شؤون أخرى-. وبذلك يعطون مثالا سيئا عن البحث التاريخي لمن يأخذون عنهم من الطلبة وجمهور المهتمين.

سوق الإنتاج التاريخي إذن، حافلة بالمواد التي انتهت صلاحيتها أو الفاسدة أو المقلدة أو المسروقة، والتي تقدم مكونات خاطئة أو لا تحترم معايير الجودة والحفظ. والمستهلك يقع في حيرة من أمره، إذ لا وجود لما يقوم مقام جمعيات حماية المستهلك ليدله على المنتوج الجيد، أو يبصره بمكونات المنتوج كيفما كان نوعه، ليستهلك ما يريد عن بينة من أمره.

       أين هو المؤرخ داخل هذا الخضم المتلاطم من الإنتاج التاريخي؟ وأعني به المؤرخ الحقيقي، الباحث المتمرس والخبير والمحترم لمهنته. أين هو ذلك الشخص القادر على أن يقوم الاعوجاج، ويدلي برأيه، وينير المشتغلين في هذا الحقل بأفكاره وتوجيهاته، ويقف أمام معاول الهدم التي تأتي على ما تبقى من إرث المؤرخين الرواد.

       لقد فضل معظم المنتمين إلى هذه الفئة الانزواء والتواري، والتفرج على المشهد الثقافي، والمتابعة عن بعد. وهو موقف لا يخدم قضية البحث التاريخي، ويساهم في تكريس التجاهل الذي يتعامل به الآخرون مع التاريخ والمؤرخين. المؤرخون بصفة عامة، لا يفرضون أنفسهم في المحافل العامة، من إعلام ورقي وسمعي وبصري ومن منتديات ومواقع ومجلات الأنترنيت، ولا يعلقون على الإصدارات الجديدة ولا يحضرون التظاهرات العلمية بكثافة، وبذلك يتركون فراغا كبيرا يملأه الآخرون.

       إن دور المؤرخ أساسي في حماية التاريخ من المتطفلين عليه، والقيام بواجبه في التقويم والتصحيح والتصدي للأخطاء والاعوجاج، لأن العديد ممن يكتبون ما يعتبرونه تاريخا، ويروجون له، لم يجدوا من يبصرهم ويقوم إنتاجاتهم، فاعتقدوا أنهم يحسنون صنعا.

       إذا أردنا أن يستعيد البحث التاريخي الجاد مكانته، ويتصدر المشهد الثقافي، فعلى الباحثين الحقيقيين، أن يتخلوا عن انزوائهم، وأن يقوموا بدورهم في النقد والتوجيه، وأن يساهموا بالنشر ومتابعة ما ينشر، عن طريق الإشادة بالأعمال الجادة، والتنبيه على مواطن الضعف في الأعمال الهشة. نحن في حاجة إلى النقد البناء، الذي ينبني على الاحترام، بدون دوافع شخصية ولا تصفية حسابات، ويسعى إلى تقدم البحث التاريخي، والأخذ بيد الباحثين على مختلف مستوياتهم، لأننا لا يمكن أن نتقدم بدونه.

       أعتقد الآن أن عنوان هذا المقال أصبح أكثر وضوحا، نحن بحاجة إلى الكثير من النقد، لكي نتمكن من استرجاع “النقود الجيدة” التي طردتها النقود “الرديئة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .